للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت: ومن الأدلة على وضعه أن في القرآن آيات لو عُرِضَ على عمومها بعض السنن لردته, ومع ذلك أجمعوا على العمل بالسنة، والإجماع معصوم.

كقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} ١, فعمومها يقتضي جواز الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها. والسنة تمنع ذلك، والإجماع على العمل بالسنة، وقال تعالى: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ٢، وجاءت السنة بأن الدية على العاقلة, والإجماع على ذلك إلّا عثمان البنيّ -من التابعين- يراها على القاتل.

وقال تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} ٣ الآية, وأن السنة حرمت الحُمُر الإنسية وأمثال هذا.

قال الأوزاعي: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب، قال ابن عبد البر: إنها تقضي عليه وتبين المراد منه, ومقالة الأوزاعي أنكرها الإمام أحمد بنت حنبل قائلًا: بل السنة تبيّن القرآن وتفسره. نقل ذلك ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية, قال ابن القيم: وقد أنكر أحمد والشافعي على من ردَّ أحاديث رسول الله لزعمه أنها تخالف ظاهر القرآن، وللإمام أحمد في ذلك كتاب سماه طاعة الرسول، والذي يجب على كل مسلم اعتقاده أنه ليس في سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحيحة سنة واحدة تخالف الكتاب, بل السنن مع القرآن ثلاث منازل:

المنزلة: الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهدت به الكتب المنزلة, وتوارد هذه من باب توارد الأدلة كالتأكيد.

المنزلة الثانية: سنة تفسير الكتاب وتبين المراد منه وتقيد مطلقه وتخصيص عامه، كالحديث الصحيح المبين أن الظلم في قوله تعالى: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} ٤ وهو الشرك، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل، وأن الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل، وأن قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ} ٥ هو في


١ النساء: ٢٤.
٢ الأنعام: ١٢٤.
٣ الأنعام: ١٤٥.
٤ الأنعام: ٨٢.
٥ إبراهيم: ٢٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>