للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وربما نزل التخفيف بدون سؤال, قال تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} ١.

وربما نزل الحكم الذي لا بُدَّ منه وهو ثقيل تدريجًا؛ كحرمة الخمر, فإنه حُرِّمَ أولًا عند الصلاة, ثم حُرِّمَ كليًّا، ومن الأحكام التي نزلت تدريجًا الربا؛ حُرِّمَ أولًا كثيره, ثم حُرِّمَ كليًّا، وكل ذلك رفق ورحمة بالأمة، ولذلك جعلت الاستثناءات في الأحكام لهذا المعنى كقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ٢, وقوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ٣ وشرط القرآن الاستطاعة عمومًا فقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ٤، ثم نصَّ عليها فيما هو مظنة المشقة خصوصًا كقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ٥.

وقوع النسخ في القرآن:

قدمنا أن القرآن حجة بإجماع، فيشكل على ذلك مسألة النسخ فنقول:

النسخ: لغةً الإزالة والتبديل، وفي الشرع: رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه، وهو جائز عقلًا بلا خلاف، واقع في الكتاب والسنة خلافًا لأبي مسلم الأصفهاني، وقد جهَّلوه في دعوى أنه لم يقع في القرآن.

وحكمة النسخ أن شرع الأحكام كثيرًا ما يكون لمقتضيات وقتية، فإذا تغيَّرت وناسب تغير الحكم لتغيرها رحمة وتخفيفًا من الحق -سبحانه وتعالى، وقد لا تغير حال، ولكن يكون القصد التخفيف فقط، وقد يكون القصد التشديد في بعض الأحكام كنسخ فدية الصوم بتعين الصوم، وحيث أثبتت المعجزة صدق الرسول, فإن الله لا يُسْأَل عمَّا يفعل، ينسخ ما يشاء ويحكم ما يريد.


١ الأنفال: ٦٦.
٢ البقرة: ١٩٦.
٣ البقرة: ١٩٦.
٤ التغابن: ١٦.
٥ آل عمران: ٩٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>