للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أما حكمة بقاء تلاوة المنسوخ فهو التذكير بحكمة التخفيف والامتنان بتلك النعمة، واستحضار تلك السابقة، وثواب التلاوة، والتعبد والإعجاز وفوائد أدبية.

إذا علمت هذا, فالآية المنسوخة مهما وردت أخرى ناسخة لها, فذلك النسخ رفع لحكم الأولى على ما هو المختار, فالاحتجاج في الأحكام بالناسخ، أما المنسوخ فغير محتج به فيها, فهو مستثنى من الحجية بدليل قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ١، وقال تعالى: {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} ٢، وقال تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ٣, وفي صحيح مسلم في الوضوء عن العلاء بن الشخير قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينسخ حديثه بعضه بعضًا, كما ينسخ القرآن بعضه بعضًا٤.

فالنسخ وقع في القرآن بلا شك, بمعنى رفع حكم آية عن جميع محالها, والمتحقق من ذلك اثنتا عشرة آية أو نحوها.

الأولى: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} ٥ الآية. نسخها قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} ٦ إلخ. آيات المواريث، وقيل إنها منسوخة بحديث "لا وصية لوارث" ٧ إذا قيل بتواتره، وقيل: نسخها الإجماع, والتحقيق أن الأجماع لا يكون ناسخًا, وإنما الناسخ دليله، وأن الحديث المذكور ليس بناسخ، وأن الناسخ آيات الميراث حيث بينت ما يجب للوالدين


١ البقرة: ١٠٦.
٢ يونس: ١٥.
٣ النحل: ١٠١.
٤ مسلم في الحيض باب إنما الماء من الماء "١/ ١٨٥".
٥ البقرة: ١٨٠.
٦ النساء: ١١، ١٢.
٧ الحديث بهذا اللفظ رواه أبو داود "ج٣/ ١١٤" ط. التجاربة، والترمذي "ج٤/ ٤٣٤"، وابن ماجة "ج٢/ ٩٠٥" ط. الحلبي، كلهم عن أبي أمامة الباهلي، وبوَّب البخاري بهذا اللفظ فقال في الصحيح: باب لا وصية لوارث، ثم ذكر حديث ابن عباس بمعناه "ج٤/ ٤" ط. استنبول.

<<  <  ج: ص:  >  >>