للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يدع لهما مالا فقال: (يقضي الله في ذلك) قال: فنزلت آية الميراث, فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين و أمهما الثمن و ما بقي فهو لك. (١)

فبيّن هذا الحديث أن ما كان يفعله الجاهليون في صدر الإسلام لم يكن شرعا مسكوتا عنه مقرا عليه؛ لأنه لو كان شرعا مقرا عليه لما حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - على عم الصبيتين برد ما أخذ من مالهما؛ لأن الأحكام إذا مضت وجاء النسخ بعدها إنما تؤثر في المستقبل، ولا ينقض به ما تقدم، وإنما كانت هذه الحادثة ظلما وقع فنزلت هذه الآية ترد الظلم وتبطله. (٢)

فبيّن الله تبارك وتعالى في آيات المواريث العلة التي يقوم عليها الإرث, وهذا غاية العدل لأنه يسد الطريق على كل علة أو سبب يوصل لمنع فريق من مستحقي الميراث حقهم.

• المطلب الثاني: ما فرضه الله من أن للذكر مثل حظ الأنثيين.

فإن الله - جلت حكمته- فرض عند اجتماع الذكور والإناث في الميراث أن للذكر مثل حظ الأنثيين سواء كانوا أولادا أو إخوة فقال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ... } الآية [النساء: ١١]. وقال: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)} [النساء: ١٧٦].

وفي هاتين الآيتين تتجلى مظاهر العدل للقارئ المتبصر في أمرين:

• الأول: التسوية بين الذكور فيما بينهم من الميراث, وبين الإناث كذلك.

فلقد كان أهل الجاهلية يورثون من الذكور الأكبر فالأكبر ولا يعطون الصغير شيئا, معللين ذلك بأن الكبير أنفع لهم من الصغير, فأبطل الله هذا الحكم وأمر بالتسوية بين


(١) رواه الإمام أحمد في المسند برقم (١٤٨٤٠) , وأبو داود في سننه. كتاب الفرائض باب ماجاء في ميراث الصلب برقم (٢٨٩١) , والترمذي في جامعه وصححه كتاب الفرائض, باب ميراث البنات برقم (٢٠٩٢) , والحاكم في المستدرك, كتاب الفرائض برقم (٧٩٩٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه, وحسنه الألباني في حكمه على سنن أبي داود (٢/ ٥٦٠) , وآية الميراث المقصودة في هذا الحديث هي قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم ... ) الآية.
(٢) أحكام القرآن, لابن العربي (١/ ٣٣٣).

<<  <   >  >>