للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

• المطلب الأول: التيسير في أسلوب التبليغ (١):

فقد وردت آيات المواريث ممهدة وموطئة لما يليها من الأحكام ولم تأت مباشرة بتقسيم الفروض, فقد أصبح من المسلّمات لدى العرب في الجاهلية أن المرأة لا حق لها من الميراث وقضوا على ذلك العقود بعد العقود, فإذا جاء تشريع المواريث مبينا الأحكام التفصيلية ومقدار ما يستحقه كل من الذكر والأنثى, سيشق ذلك على الناس وقد لا تقبله النفوس مباشرة.

فكان من الحكمة أن تأتي آية تشريع المواريث ممهدة لبيان الأحكام التفصيلية, لتهيِّئ النفوس لقبول حكم الله والإذعان له (٢).

فقوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)} [النساء: ٧].

إجمال لما سيتبع من البيان, وإبطال لما قد كان.

وكان التمهيد في هذه الآية بقاعدتين أساسيتين هما كالمدخل لبقية الأحكام:

الأولى: إثبات حق المرأة في الميراث, لا كما يفعله أهل الجاهلية.

الثاني: أن نصيب كل من الرجل أو المرأة محدد معيّن لامجال فيه للآراء أو العادات. (٣)

فإن سلمت هاتان القاعدتان واطمئنت النفس إليها, أذعنت واستشرفت لبيان هذه الأحكام لتطبيقها والعمل بها.

وفي هذا من تثبيت القلب وتخفيف التكليف الذي يخالف عادة الجاهلية ما يرفع الحرج ويزيل المشقة, ولذلك فقد كان القرآن الكريم ينزل مفرقا على النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)} [الفرقان: ٣٢] وجعله الله تعالى مفرقا ليقرأه نبيه - صلى الله عليه وسلم - على مكث فقال:


(١) انظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية , للباحسين (ص ٧٢).
(٢) انظر: أحكام القرآن, لابن العربي (١/ ٣٢٨).
(٣) انظر: التحرير والتنوير (٤/ ٢٤٩).

<<  <   >  >>