للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الكناية من فائدتها، وهما عبارتان متعقبتان على معنى واحد، وهو نفي المماثلة عن ذاته، ونحو قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ (١) فإن معناه: بل هو جواد من غير تصور يد ولا بسط لها؛ لأنها وقعت عبارة عن الجود لا يقصدون شيئا آخر، حتى إنهم استعملوها فيمن لا يد له، وكذلك يستعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل له.

هذا وينبغي أن يعلم أن نفي المثل عنه تعالى بنفي مثل المثل مجاز متفرع على الكناية؛ لأنه لا بد في الكناية من صحة إرادة المعنى الحقيقي، وهذا إنما يصح فيما يمكن في حقه المعنى الحقيقي، وأما فيما يمتنع فلا يصح، فهو مجاز متفرع على الكناية بأن هذه الكناية لما نقلت عن محل يصح فيه المعنى الحقيقي إلى محل يمتنع انقلبت مجازا.

فإطلاق الكناية مسامحة شائعة تسمية للفرع باسم أصله، هذا على حذف ما حققوه.

وأما ما يقتضيه الرأي الصائب فلعله غيره؛ لأنه إذا جاز إرادة المعنى الحقيقي لانتقال إلى اللازم، فيما لا يتحقق فيه مع إمكان تحققه فلم لا تجوز تلك الإرادة، فيما يمتنع، حتى تكون كناية محضة.

ومما يتعلق بتحقيق هذا الوجه من الكناية، وبه يمتاز عن الوجه الثاني الذي سنذكره لك أن نفي المثل عنه تعالى على هذا الوجه لازم لنفي المثل عن مثله تعالى؛ لأنه إذا انتفى المثل عن مثله، وعمن هو على أخص أوصافه، ينتفي عنه بطريق الأولى لا من جهة أن ثبوت مثل المثل لازم لثبوت المثل، ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم.

وثانيهما: أنه نفي للشيء بنفي لازمه؛ لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم؛ وذلك لأنه لو كان له تعالى مثل لكان لمثله مثل، وهو ذاته تعالى؛ لأن المماثلة من الجانبين.

وأورد عليه السيد السند: أنه لا تفاوت بين هذين الوجهين في باب الكناية إلا بحسب العبارة، وبيان ذلك أن كلا الوجهين كناية في الشبه؛ حيث نسب


(١) المائدة: ٦٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>