للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أنا العاصي وأشكل عليه موقع العاصي، فجعله بدل الكل على مذهب الأخفش، مع أن الجمهور على منعه إلا عن ضمير الغائب، وتبعه السيد السند، وسعى في ترجيح مذهب الأخفش، ونحن نقول: وضع عبدك موضع أنا الغير المقرون بالوصف؛ ولذا صحّ أن يكون من نكات ذلك الوضع التمكن من الوصف بالعاصي، والأجمع ضمير المتكلم- أيضا- بتحقق ذلك التمكن بإيراد الوصف بدلا؛ لأن النافع في مقام التضرع ذكر وصف العبودية، لا جعله صفة نحوية قال (السكاكي (١): هذا) (٢) إشارة إلى ما يستفاد من أقرب مثال، وهو وضع المظهر مكان ضمير المتكلم (غير مختص بالمسند إليه) لا يخفى أنه لغو، لا فائدة فيه، لا في كلام المصنف ولا في كلام السكاكي؛ لأنه قد سبق منهما- آنفا- وعليه فإذا عزمت فتوكل على الله (ولا بهذا القدر) أي: النقل من التكلم إلى الغيبة لا يخص بهذا القدر الذي كلامنا فيه من وضع الاسم الظاهر موضعه، بل قد يكون لوضع ضمير غائب موضعه، ثم أضرب عن هذا المقصد إلى الأهم الأعم، فقال: (بل كل من التكلم والخطاب والغيبة مطلقا) أي: واحدا كان، أو مثنى، أو مجموعا مذكرا أو مؤنثا (ينقل إلى الآخر)، ولذا عبر عن المتكلم والمخاطب والغائب بالمصدر؛ ليصح إطلاقه على الجميع، وزاد المصنف قوله:

مطلقا تصريحا بما قصده، وللتنبيه على غير ما يضامن الإطلاق، عن أن يكون مقتضى المقام من غير أن يعبر عنه بعبارة أخرى، كما في الأمثلة السابقة حتى

[ويسمى هذا النقل عند علماء المعاني التفاتا]

يصح قوله: (ويسمى هذا النقل عند علماء المعاني التفاتا)، وليس المراد الإطلاق عن أن يكون معبرا بعبارة أخرى، كما يستفاد من سوق كلام الشارح المحقق؛ لأن هذا التقييد لا يستفاد من سابق الكلام؛ بل ما ذكرنا من التقييد


(١) المفتاح ص ١٠٦.
(٢) إشارة إلى الالتفات، وعرفه الطيبي تعريفا دقيقا في كتابه التبيان فقال: «هو الانتقال من إحدى الصيغ الثلاث، أعني الحكاية، والخطاب، والغيبة، إلى الأخرى لمفهوم واحد رعاية لنكتة» التبيان (٢/ ٣٤٧)، وقد أفاد الطيبي من تنبيه ابن الأثير في المثل السائر (٢/ ١٦٩) على أن الالتفات لا يكون إلا لفائدة اقتضته، فالتفت الطيبي إلى ذلك ونص في تعريفه للالتفات على أنه ربما يكون رعاية لنكتة، ويتفرد الطيبي بنص على ذلك دون عامة البلاغيين المعاصرين له أو السابقين، وانظر في تعريف الالتفات:
الكشاف (١/ ١٠)، المصباح (٣٠)، نهاية الإيجاز (٢٨٧)، الطراز (٢/ ١٣٢)، وانظر تعليقنا في الإيضاح ص ٧٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>