للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بِالْقِتَالِ، إذْ الْغَالِبُ حُصُولُ الْقَتْلِ بِهِ أَوْ الذِّمَّةُ دُونَ إسْلَامِ أَهْلِ الدَّارِ فَقُدِّمَ لِلْأَكْثَرِيَّةِ فِي ذَلِكَ.

وَأَمَّا مِنْ أَوْلَى الْعِبَادَات الْبُيُوعُ فَنَظَرٌ إلَى بَسَاطَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النِّكَاحِ بِاعْتِبَارِ تَمَحُّضِ مَعْنَى الْمُعَامَلَةِ فِيهِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْجِزُ فِي إبْدَاءِ وَجْهِ تَقْدِيمِ مَعْنًى عَلَى مَعْنًى، فَإِنَّ كُلَّ مَعْنًى لَهُ خُصُوصِيَّةٌ لَيْسَتْ فِي الْآخَرِ، فَالْمُقَدِّمُ يَعْتَبِرُ مَا لِمَا قَدَّمَهُ وَيَسْكُتُ عَمَّا لِمَا أَخَّرَهُ، وَالْعَاكِسُ يَعْكِسُ ذَلِكَ النَّظَرَ، وَإِنَّمَا إبْدَاءُ وَجْهِ أَوْلَوِيَّةِ تَقْدِيمِ هَذَا عَلَى ذَلِكَ هُوَ التَّحْقِيقُ، وَهُوَ يَسْتَدْعِي النَّظَرَ بَيْنَ الْخُصُوصِيَّتَيْنِ أَيُّهُمَا يَقْتَضِي أَوْ أَكْثَرُ اقْتِضَاءً لِلتَّقْدِيمِ، وَقَدْ يُفْضِي إلَى تَكْثِيرِ جِهَاتِ كُلِّ وَاحِدٍ وَخُصُوصِيَّاتِهِ وَيَسْتَدْعِي تَطْوِيلًا مَعَ قِلَّةِ الْجَدْوَى، فَالِاقْتِصَارُ فِي ذَلِكَ أَدْخَلُ فِي طَرِيقَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالتَّحْصِيلِ، وَلَا بُدَّ فِي تَحْصِيلِ زِيَادَةِ الْبَصِيرَةِ فِيمَا نَشْرَعُ فِيهِ مِنْ تَقْدِيمٍ تَحْصِيلُ أُمُورٍ: الْأَمْرِ الْأَوَّلِ مَفْهُومُهُ لُغَةً، قِيلَ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ، وَقِيلَ بِقَلْبِهِ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا صَرَّحُوا بِهِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الضَّمِّ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامَيْهِمْ لِأَنَّ الْوَطْءَ مِنْ أَفْرَادِ الضَّمِّ، وَالْمَوْضُوعُ لِلْأَعَمِّ حَقِيقَةٌ فِي كُلٍّ مِنْ أَفْرَادِهِ كَإِنْسَانٍ فِي زَيْدٍ لَا يَعْرِفُ الْقُدَمَاءُ غَيْرَ هَذَا إلَى أَنْ حَدَثَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُصُوصُ الشَّخْصِ بِعَيْنِهِ، يَجْعَلُ خُصُوصَ عَوَارِضِهِ الْمُشَخِّصَةِ مُرَادًا مَعَ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ بِلَفْظِ الْأَعَمِّ فَيَكُونُ مَجَازًا وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ، وَكَأَنَّ هَذِهِ الْإِرَادَةَ قَلَّمَا تَخْطِرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ حَتَّى تَرَكَ الْأَقْدَمُونَ تَقْدِيرَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ بَلْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ مُرَادِ مَنْ يَقُولُ لِزَيْدٍ يَا إنْسَانُ يَا مَنْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ لَا يُلَاحِظُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْمُشْتَرَكُ الْمَعْنَوِيُّ حَقِيقَةً فِيهِمَا.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُتَحَقِّقَ الِاسْتِعْمَالُ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي. فَفِي الْوَطْءِ قَوْلُهُ «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ» أَيْ مِنْ وَطْءٍ حَلَالٍ لَا مِنْ وَطْءٍ حَرَامٍ. وَقَوْلُهُ «يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَمِنْ أَيْمٍ قَدْ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا … وَأُخْرَى عَلَى خَالٍ وَعَمٍّ تَلْهَفُ

وَقَوْلُهُ:

وَمَنْكُوحَةٌ غَيْرُ مَمْهُورَةٍ

وَقَوْلُ الْآخَرِ:

التَّارِكِينَ عَلَى طُهْرِ نِسَاءَهُمْ … وَالنَّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا

وَفِي الْعَقْدِ قَوْلُ الْأَعْشَى:

وَلَا تَقْرَبَن جَارَةً إنَّ سَرَّهَا … عَلَيْك حَرَامٌ فَانْكِحْنَ أَوْ تَأَبَّدَا

وَفِي الْمَعْنَى الْأَعَمِّ قَوْلُ الْقَائِلِ:

ضَمَمْت إلَى صَدْرِي مُعَطَّرَ صَدْرِهَا … كَمَا نَكَحَتْ أُمُّ الْغُلَامِ صَبِيَّهَا

أَيْ ضَمَّتْهُ، وَقَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ:

أَنْكَحْت صُمْ حَصَاهَا خُفَّ يَعْمُلَةٍ … تَغَشْرَمَتْ بِي إلَيْك السَّهْلَ وَالْجَبَلَا

فَمُدَّعِي الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ يَقُولُ تَحَقُّقُ الِاسْتِعْمَالِ وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.

وَالثَّانِي: يَقُولُ كَوْنُهُ مَجَازًا فِي أَحَدِهِمَا حَقِيقَةٌ فِي الْآخَرِ حَيْثُ أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ ثُمَّ يَدَّعِي تَبَادُرَ الْعَقْدِ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ النِّكَاحِ دُونَ الْوَطْءِ وَيُحِيلُ فَهْمَ الْوَطْءِ مِنْهُ حَيْثُ فُهِمَ عَلَى الْقَرِينَةِ، فَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هِيَ عَطْفُ السِّفَاحِ بَلْ يَصِحُّ حَمْلُ النِّكَاحِ فِيهِ عَلَى الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ

<<  <  ج: ص:  >  >>