للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَصْلٌ

(وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَبَوَيْهِ وَأَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ وَإِنْ خَالَفُوهُ فِي دِينِهِ) أَمَّا الْأَبَوَانِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ، وَلَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَعِيشَ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتْرُكَهُمَا يَمُوتَانِ جُوعًا، وَأَمَّا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ فَلِأَنَّهُمْ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَلِهَذَا يَقُومُ الْجَدُّ مَقَامَ

(فَصْلٌ)

(قَوْلُهُ وَعَلَى الرَّجُلِ) أَيْ الْمُوسِرِ (قَوْلُهُ وَأَجْدَادُهُ) يَدْخُلُ فِيهِ الْجَدُّ لِأَبٍ وَالْجَدُّ لِأُمٍّ وَإِنْ عَلَوْا، وَفِي جَدَّاتِهِ جَدَّاتُهُ لِأَبِيهِ وَجَدَّاتُهُ لِأُمِّهِ وَإِنْ عَلَوْنَ. وَقَوْلُهُ: إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ يُوَافِقُ بِإِطْلَاقِهِ قَوْلَ السَّرَخْسِيِّ حَيْثُ قَالَ: إذَا كَانَ الْأَبُ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ يُجْبَرُ الِابْنُ عَلَى نَفَقَتِهِ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْحَلْوَانِيِّ: إنَّهُ لَا يُجْبَرُ إذَا كَانَ الْأَبُ كَسُوبًا لِأَنَّهُ كَانَ غَنِيًّا بِاعْتِبَارِ الْكَسْبِ فَلَا ضَرُورَةَ فِي إيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَيْرِ، وَإِذَا كَانَ الِابْنُ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأَبِ، فَلَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَسُوبًا يَجِبُ أَنْ يَكْتَسِبَ الِابْنُ وَيُنْفِقَ عَلَى الْأَبِ فَالْمُعْتَبَرُ فِي إيجَابِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ مُجَرَّدُ الْفَقْرِ. قِيلَ: هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ مَعْنَى الْأَذَى فِي إيكَالِهِ إلَى الْكَدِّ وَالتَّعَبِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي التَّأْفِيفِ الْمُحَرَّمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِ الزَّوْجَةِ الْغَنِيَّةِ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ احْتِبَاسِهِ إيَّاهَا لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ مَقْصُودٍ لَهُ فَكَانَ كَاسْتِحْقَاقِ الْقَاضِي الْغَنِيِّ.

(قَوْلُهُ نَزَلَتْ فِي الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ) بِدَلِيلِ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ فَفَرَضَ سُبْحَانَهُ مُصَاحَبَتَهُمَا بِالْمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَتْرُكَهُمَا مَعَ الْجُوعِ وَالْعُرَى وَيَتَقَلَّبَ هُوَ فِي النِّعَمِ إلَى أَنَّ مَحْمَلَهَا عَلَى غَيْرِ الْحَرْبِيَّيْنِ، فَأَمَّا الْآبَاءُ الْحَرْبِيُّونَ وَإِنْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا لَا يُجْبَرُ الِابْنُ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الْآيَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آيَةِ الْأَبَوَيْنِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَتَصَادَقَانِ فِي الْأَبَوَيْنِ الْحَرْبِيَّيْنِ وَتَنْفَرِدُ آيَةُ الْمُصَاحَبَةِ فِي غَيْرِ الْحَرْبِيَّيْنِ وَآيَةُ النَّهْيِ فِي غَيْرِ الْأَبَوَيْنِ فَتَعَارَضَا فِي الْأَبَوَيْنِ الْحَرْبِيَّيْنِ فَقُدِّمَتْ آيَةُ النَّهْيِ لِتَقْدِيمِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمُبِيحِ.

وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: النَّهْيُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِاَلَّذِينَ تَحَقَّقَ مِنْهُمْ قِتَالٌ فِي الدِّينِ وَإِخْرَاجُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْأَبَوَيْنِ الْحَرْبِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُمَا قِتَالٌ وَلَا مُظَاهَرَةٌ عَلَى إخْرَاجٍ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِمُجَرَّدِ جَامِعِ كَوْنِهِمْ حَرْبًا لِأَنَّ الْحُكْمَ عُلِّقَ بِمَجْمُوعِ مَنْ تَحَقَّقَ الْقِتَالُ وَالْإِخْرَاجُ مِنْهُ، وَأَيْضًا صَرَّحَ النَّصُّ بِعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوا أَيْضًا حَرْبِيُّونَ (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ فَلِأَنَّهُمْ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي اللَّفْظِ:

<<  <  ج: ص:  >  >>