للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وما لم يكن هنالك نظرة واضحة إلى الحياة تتركز في أذهان الناس جميعا - على تفاوت في مقدار التركز - نظرة سليمة نقية تصدر عنها أعمالنا، وينسجم معها سلوكنا. ما لم يكن لنا هذه النظرة التي تستطيع أن تفجر لنا الماء الذي نرتوي منه، وتفيء علينا الظل الذي نستظل به أو ترسم لنا آفاقنا البعيدة فإن هذا الشعب الذي يعيش على ذكريات الجلاء وأفراحه، سيظل يعيش هذه الحياة التي تبرق فيها ساعة واحدة من السرور في محيط من الحزن. ساعة واحدة من النور في أفق مظلم. يوم واحد من ثلاثمائة وخمسة وستين يوما كلها أعراض للمرض والعجز والكسل.

لم نملك بعد واقعنا الذي نحياه، هذه النظرة السليمة إلى الحياة. بل نحن لم نحاول أن نملكها، ولا نزال ننتظر أن تهبط علينا من السماء، أو تنبع بين أيدينا من جوف الأرض، أو تخترق علينا هذا الجدار من هنا، أو ذاك الجدار من هناك. لا يزال الذين يفكرون أحد اثنين - وكدت أقول أحد رجلين لولا هذا الضجيج الذي يتساقط حولي فلا أدري أهو نغم منسق يعرف عم يصدر عنه وماذا يبغي، أم هو ثرثرة وعبث نفسي - واحد يفكر في عقول الذين ملكوا عليه عقله من هنا، من أقرب عصور التاريخ على بعد ما بينهم وبينه في المكان. ورجل يفكر في عقول الذين ورثوا عقله من هناك ومن أبعد عصور التاريخ على بعد ما بينه وبينهم في الزمان. بل لا يزال هؤلاء جميعا يضلون، وقد يختصمون في هذا الضلال وبين أيديهم هذه الأمانة التي استودعها الله نفوسهم: أمانة الحياة الكريمة الحرة التي يجب أن تحقق وجودها الحر الكريم.

يجب أن نخرج من هذا التململ الذي نعيش في وطأته الثقيلة. وليس هناك شيء آخر يكفل ذلك المجتمع العربي إلا أن يصحح نظرته إلى الحياة: نظرته المادية والمعنوية. إن هذه الحياة التي ألقيت بين أيدينا ليست وديعة للحفاظ ولكنها وديعة للاستثمار، ومادة للعمل وأفقاً للتفكير وسلماً لا يراد منه أن نتأمله ونصعّد النظر إلى درجاته العليا أو درجاته الدنيا، وإنما يراد منه أن نصطنعه، أن نرقى درجاته وأن نسمو بها لأننا كلما استطعنا السمو كلما انفرجت لنا المطلات الواسعة والآفاق البعيدة.

* * *

هذه الحياة إذاً ليست رصيداً للحفظ والتسليم ولكنها للتمرس بها. وهي كفيلة أن تبيح للذين

<<  <  ج: ص:  >  >>