للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بأن يكون فتياه أو عمله موافقًا لقولٍ أو وجهٍ في المسألة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه (١) من غير نظر في الترجيح (٢) فقد جهل وخرق الإجماع .. ".

وحكى الباجي (٣) أنه وقعت [له] (٤) واقعة فأفتي فيها بما يضره، فلما سألهم قالوا: ما علمنا بأنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافق قصده (٥)، قال الباجي: "وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممّن يُعتدّ به في الإجماع أنه لا يجوز".

قال في "أصول الأقضية": "ولا فرق بين المفتي والحاكم، إلا أن المفتي مخبر بالحكم، والحاكم ملزِم به" (٦).

وقال الأصوليون أجمع: لا يصح الرجوع عن التقليد بعد العمل بالاتفاق (٧)، وهو المختار في المذهب.


(١) في نسخة (جـ): "ويعمل بما يشاء من الأقوال أو الوجوه".
(٢) وفي "أدب المفتي" هنا زيادة: "ولا تقيّد به".
(٣) هو سليمان بن خلف بن سعد القرطبي، أبو الوليد الباجي، فقيه مالكي، من رجال الحديث. ولد في باجه بالأندلس سنة ٤٠٣ هـ، رحل إلى عدة بلاد في المشرق ثم عاد إلى الأندلس فولي القضاء في بعض أنحائها، وله مؤلفات عديدة، توفي سنة ٤٧٤ هـ رحمه الله تعالى. (الأعلام ٣/ ١٢٥).
(٤) زيادة من (جـ).
(٥) نقل المصنف - رحمه الله تعالى - حكاية الباجي هذه من "أدب المفتي" باختصار، وهي عند ابن الصلاح مبهمة أيضًا، ووجدت الإمام الشاطبي قد ذكر هذه القصة مفصلة في "موافقاته" ينقلها من كتاب: "التبيين لسنن المهتدين" للباجي، أنه قال فيه: " … ولقد حدّثني من أوثقه أنه اكترى جزءًا من أرض على الإشاعة، ثم إن رجلًا آخر اكترى باقي الأرض، فأراد المكتري الأول أن يأخذ بالشفعة وغاب عن البلد، فأفتي المكتري الثاني بإحدى الروايتين عن مالك أن لا شفعة في الإجارات، قال لي: فوردت من سفري، فسألت أولئك الفقهاء. وهم أهل حفظ في المسائل وصلاح في الدين. عن مسألتي فقالوا: ما علمنا أنها لك، إذ كانت لك المسألة أخذنا لك برواية أشهب عن مالك بالشفعة فيها، فأفتاني جميعهم بالشفعة، فقضي لي بها …
قال الباجي: وكثيرًا ما يسألني من تقع له مسألة من الأيمان ونحوها: لعل فيها رواية، أو لعل فيها رخصة! وهم يرون أن هذا من الأمور الشائعة الجائزة، ولو كان تكرر عليهم إنكار الفقهاء لمثل هذا لما طولبوا به ولا طلبوه مني ولا من سواي، وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتدّ به في الإجماع أنه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق، رضي بذلك من رضيه وسخطه من سخطه". ("الموافقات" للشاطبي، كتاب الاجتهاد، المسألة الثالثة، ٤/ ٥٠٦، ٥٠٧).
(٦) انظر: "تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام" ١/ ٥٢، ونصه فيه: "واعلم أنه لا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى، ومن عرف بذلك لم يجز أن يُستفتى وكذلك الحاكم، ولا فرق بين المفتي والحاكم، إلّا أن المفتي مخبِر، والحاكم ملزِم"، وفي (جـ): "والقاضي ملزم به".
(٧) ذكر الاتفاق العلامة الآمدي ["الإحكام" ٤/ ٢٣٨]، وابن الحاجب. (انظر "التقرير والخبير" ٣/ ٣٥٠).=

<<  <   >  >>