للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وهذا معنىً آخر غير برهان التمانع المتقدِّم، وإنما هو تنبيهٌ لمشركي العرب على عظم غلطهم؛ فإنهم كانوا يلتزمون أنه لا يجوز أن يكون لله عزَّ وجلَّ منازع, وكأنهم إنما نسبوا لله تعالى الولد لما استقرَّ في أذهانهم من أن العقم عيب. قال علقمة بن علاثة لعامر بن الطفيل يفخر عليه: «إني لولودٌ، وإنك لعاقرٌ» (١).

وقال عامرٌ نفسه:

لبئس الفتى إن كنتُ أعور عاقرًا ... جبانًا فلا أغني لدى كلِّ مشهد (٢)

وأمرهم في ذلك معروفٌ، فقاسوا رب العزة على الناس في أن العقم يكون عيبًا في حقه, فأثبتوا له الولد لينزهوه بزعمهم، ولما علموا أن إثبات الولد يلزم منه إثبات المنازع جعلوا ذلك الولد إناثًا بناء على ما أَلِفوه واعتادوه أن الإناث ضعاف عواجز، وفاتهم أن ضعفهن وعجزهن لا يبلغ أن يمنعهنَّ من النزاع البتة.

ولعلَّ المعنى الذي تقدَّم عن قتادة ومجاهد ولم يذكر ابن جرير غيره أقربُ؛ فإن قوله: [١٣٤] {إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا}، يتبادر منه الطاعة، وقد جاء نحوه في القرآن بمعنى الطاعة، وهو قوله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [الفرقان: ٥٧] , وقوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [المزمل: ١٩، والإنسان: ٢٩].


(١) انظر: صبح الأعشى للقلقشندي ١/ ٤٣٨، وخزانة الأدب للبغدادي ٨/ ٢٦٠.
(٢) ديوانه ص ٦٤، المفضليات ٣٦٢، أنساب الخيل في الجاهلية والإسلام وأخبارها لابن الكلبي ص ٦٤، الشِّعر والشعراء ١/ ٣٣٤. والرواية في الديوان والمصادر الأخرى: فما عذري لدى كلِّ محضر، والقصيدة رائية، فلعلَّ ما هنا سهو.