للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بلغته الدعوة قد نبَّهه الشرع وقَرَّب له الحججَ وعبَّد له طرقَ الاستدلال ودَفْعَ الشبه، ومَكَّنه من سؤال الرسول أو العلماء، وغير ذلك؛ ومَنْ لم تبلغه دعوة أصلًا محرومٌ من هذا كلِّه.

فإذا فكَّرنا فيما تقتضي الحكمة أن يكون مناطًا لتكليفه في نفس الأمر لم يكن بُدٌّ من أن نعتبر مع التمييز الذي يكون لمن بلغ سليمَ العقل أمرًا آخر كسلامة الفطرة وقوَّة الفطنة، وهذا الأمر الآخر لا ينضبط فلا يعلمه الناس ولا الملائكة ولا هو نفسه، [ز ١٢] فاقتضى كرمُ الله تبارك وتعالى وعفوُه وكمالُ عدله وحكمته أن ينوط الحكم ببلوغ الدعوة، فيكون مناطُ التكليف هو بلوغ الحلم مع سلامة العقل وبلوغ الدعوة، وقد صرَّحت الآيات السابقة بإقامة الحجة ببلوغ الدعوة، وفيها: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام: ١٣٠]، {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الزمر: ٧١]، وأنه لو أهلكهم قبل الرسول لاعتذروا هناك بقولهم: {لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} [طه: ١٣٤، القصص: ٤٧].

فقد اتَّضح بحمد الله تبارك وتعالى تطابق العقل والنقل على أن مَنْ لم تبلغه دعوة أصلًا ليس بمكلَّف، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

فصل

وأخطأ آخرون فزعموا أن الآية (١) تتناول العرب قبل بعثة محمد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فليسوا بمعذَّبين على ما كان منهم من الشرك وغيره (٢)،


(١) يعني قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}.
(٢) انظر: روح المعاني ١٥/ ٤٠ - ٤١.