للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فكيف يقتصر على نفي الملك والعقل؟ وقوله: {وَلَا يَعْقِلُونَ} يأبى أن يكون المراد الملائكة، اللهم إلَّا أن يجاب عن الأوَّل بأنَّ الاقتصار على نفي الملك والعقل لا ينافي انتفاء الوجود، وقد أخبر الله عزَّ وجلَّ عن خليله إبراهيم [عليه] (١) السلام قوله لأبيه: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: ٤٢] يريد الأصنام (٢)، ومثل هذا كثير، واقتصر على نفي الملك والعقل للدلالة على أنَّ مجرد انتفائهما عن الشيء كافٍ في بطلان عبادته.

وعن الثاني بأن المراد: لا يعقلون دعاءكم إيَّاهم أي لا يفهمونه؛ لأنهم غافلون عنه، وقد وصف الملائكة بكونهم غافلين عن دعاء المشركين في عدَّة آيات تقدَّم بعضها [س ١١٨/أ] ويكون قوله: {لَا يَعْقِلُونَ} من باب نفي أحد المتلازمين بقصد انتفاء الآخر، كقوله في الآية المتقدمة آنفًا: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} يريد "بما ليس موجودًا"؛ لأنَّ ما لم يعلمه الله تعالى موجودًا فليس بموجود، فكذا في هذه الآية، المعنى على الاحتمال المذكور أي إذ كانوا لا يعقلون عبادتكم فهم لم يعلموا بها؛ إذ لو علموا بها لعقلوها، إلا أنَّ الإطلاق في قوله: {وَلَا يَعْقِلُونَ} ربما يوهن هذا الاحتمال, [س ١١٨/ب] ولكن يمكن الجواب عنه بأنَّ حذف المفعول كثير في القرآن وغيره، والقرينة هنا قائمة، وهي أنَّ


(١) سقطت من الأصل.
(٢) بعد هذا بضع كلمات لم تظهر, ولعلها: (ولم يرد نفي انتفاء الحياة). بدلالة كلمات كتبها المؤلف بعد إيراد الآية ثم ضرب عليها لتحسين العبارة, وهي: (لم يناف انتفاء الحياة).