للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فالجواب: أنّ هذين الوصفين عبارة عن الإعراض منهم عند سماع الذّكر، وعن ترك الإصغاء إليه والقبول له، فقوله: {كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي} أي كانوا معرضين بأبصارهم وقت سماع الذّكر، عن المتكلّم به، وقوله: {وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} أى كان سماع الذّكر ثقيلا عليهم، فلا يستمعون له ولا ينصتون إليه، كما تقول: ما أستطيع أن أرى فلانا، ولا أستطيع أن أسمع كلامه، تريد أنك كاره لذلك، لا أنك فى الحقيقة غير قادر عليه، وقد حكى الله/عنهم أنهم كان بعضهم ينهى بعضا عن الإصغاء إلى سماع تلاوة كتاب الله، ويأمرونهم بالتكلّم باللغو عند سماعه، وذلك قوله تعالى: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (١) وقد بالغ الله سبحانه فى ذمّهم بعدولهم عن الحقّ فى قوله:

{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} (٢) ولو كانوا بهذه الأوصاف على الحقيقة لم يكلّفوا فرضا، لأن الصّمم ذهاب السمع، والبكم هو الخرس، وإنما أراد أنّهم (٣) صمّ عن استماع الحق، بكم عن التكلم به، عمى عن النظر إلى قائله، فهذا على تشبيههم بمن لحقته آفات فى سمعه ولسانه وبصره، قال الشاعر:

أصمّ عما ساءه سميع (٤)

فوصف الممدوح بالصمم مع وصفه له بسميع، وهو اللفظ الموضوع للمبالغة فى السمع، وذلك على وجهين مختلفين، مجيئه معدولا عن فاعل، كما جاء قدير ورحيم معدولين عن قادر وراحم، والآخر مجيئه معدولا من مفعل فى قول عمرو بن معديكرب (٥):


(١) سورة فصلت ٢٦.
(٢) سورة البقرة ١٨،١٧١.
(٣) فى هـ‍: بأنهم.
(٤) من غير نسبة، ومن غير تكملة فى شرح الحماسة ص ١٤٥٠، والكشاف ١/ ٢٠٤، وتفسير القرطبى ١/ ٢١٤، واللسان (سمع-صمم).
(٥) ديوانه ص ١٣٦، وهو بيت دائر فى كتب العربية. وقد أعاده ابن الشجرى فى المجلس السابع والخمسين. -