للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

* وعقلٌ مُكتَسبٌ مستفاد؛ وهو ولدُ العلم وثمرتُه ونتيجتُه.

فإذا اجتمعا في العبد فذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، واستقامَ له أمرُه، وأقبلت عليه جيوشُ السعادة من كلِّ جانب، وإذا فقدهما فالحيوانُ البهيمُ أحسنُ حالًا منه، وإذا انفردا نقصَ الرجلُ بنقصان أحدهما.

ومن الناس من يرجِّحُ صاحبَ العقل الغريزيِّ، ومنهم من يرجِّحُ صاحبَ العقل المكتَسب.

والتحقيقُ أنَّ صاحبَ العقل الغريزيِّ الذي لا علم ولا تجربة عنده آفتُه التي يؤتى منها الإحجامُ وترك انتهاز الفرصة؛ لأنَّ عقلَه يَعْقِلُه عن انتهاز الفرصة لعدم علمه بها، وصاحبُ العقل المكتَسب المستفاد يؤتى من الإقدام؛ فإنَّ علمَه بالفُرص وطرقها يلقيه على المبادرة إليها، وعقلُه الغريزيُّ لا يطيقُ ردَّه عنها؛ فهو غالبًا يؤتى من إقدامه؛ والأولُ من إحجامه.

فإذا رُزِقَ العقلُ الغريزيُّ عقلًا إيمانيًّا مستفادًا من مشكاة النبوَّة (١)، لا عقلًا معيشيًّا نِفاقيًّا يظنُّ أربابُه أنهم على شيء، ألا إنهم هم الكاذبون، فإنهم يرون العقلَ أنْ يُرْضُوا الناسَ على طبقاتهم، ويسالِمُوهم، ويستجلبون (٢) مودَّتهم ومحبَّتهم.

وهذا مع أنه لا سبيل إليه، فهو إيثارٌ للراحة والدَّعة على مُؤْنة (٣) الأذى في الله والموالاة فيه والمعاداة فيه، وهو وإن كان أسلمَ في العاجلة فهو


(١) استطرد المصنف فلم يذكر جواب الشرط، وهو مفهومٌ من السياق.
(٢) كذا في الأصول، على الاستئناف.
(٣) في الأصول: «ومونة». وبما أثبت يستقيم السياق.