للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأيضا؛ فإنَّ البكاء والعِياط (١) يوسِّعُ عليه مجاري النَّفَس، ويفتحُ العُروق ويصلِّبها، ويقوِّي الأعصاب (٢).

وكم للطِّفل من منفعةٍ ومصلحةٍ فيما تسمعُه من بكائه وصُراخه!

فإذا كانت هذه الحكمةُ في البكاء الذي سببُه ورودُ الألم والمؤذي وأنت لا تعرفُها ولا تكادُ تخطُر ببالك، فهكذا إيلامُ الأطفال فيه وفي أسبابه وعواقبه الحميدة من الحِكَم ما قد خَفِي على أكثر النَّاس، واضطربَ عليهم الكلامُ في حكمته اضطرابَ الأَرْشِيَة (٣)، وسلكوا في هذا الباب مسالك:

* فقالت طائفة: ليس إلا محض المشيئة العارية عن الحكمة والغاية المطلوبة. وسدُّوا على أنفسهم هذا البابَ جملة، وكلَّما سئلوا عن شيءٍ أجابوا بـ {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}.

وهذا (٤) مِنْ أصدق الكلام، وليس المرادُ به نفيَ حكمته تعالى وعواقبِ أفعاله الحميدة وغاياتها المطلوبة منها، وإنما المرادُ بالآية إفرادُه بالإلهيَّة والرُّبوبيَّة، وأنه لكمال حكمته لا معقِّب لحكمه، ولا يُعْتَرض عليه بالسُّؤال؛ لأنه لا يفعلُ شيئًا سُدى، ولا خَلَق شيئًا عبثًا، وإنما يُسألُ عن فعله مَنْ خرجَ


(١) عيَّط: إذا مدَّ صوته بالصُّراخ. وهو العِياط. «أساس البلاغة» (عيط). ويأتي بمعنى البكاء في كلام بعض العامة. انظر: «معجم تيمور» (٤/ ٤٥٧).
(٢) انظر: «تحفة المودود» (١٨٨).
(٣) أي: في البئر. والأرشية جمعُ رِشاء، وهو حبل الدَّلو. وهذا تشبيهٌ مشهور، ورد في كلامٍ ينسبُ لعلي رضي الله عنه، واستعمله الشعراء والكتَّاب. انظر: «شرح نهج البلاغة» (١/ ٢١٣)، و «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (٦٥٦).
(٤) أي: قوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}.