للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ومُفْسِدًا لما يمرُّ عليه.

وهي مختلفةٌ في مَهابِّها، فمنها صَبًا، ودَبُورٌ، وجَنُوبٌ، وشَمال (١)، وفي منفعتها وتأثيرها= أعظمَ اختلاف؛ فريحٌ ليِّنةٌ رطبةٌ تغذِّي النَّباتَ وأبدانَ الحيوان، وأخرى تجفِّفه، وأخرى تهلكُه وتُعْطِبُه، وأخرى تَشُدُّه (٢) وتصلِّبُه، وأخرى تُوهِنُه وتضعِفُه.

ولهذا يخبرُ سبحانه عن رياح الرَّحمة بصيغة الجمع؛ لاختلاف منافعها وما يحدُث منها، فريحٌ تُثِيرُ السَّحاب، وريحٌ تَلْقَحُه، وريحٌ تحملُه على متُونها، وريحٌ تغذِّي النَّبات.

ولمَّا كانت الرِّيحُ مختلفةً في مَهابِّها وطبائعها جعَل لكلِّ ريحٍ ريحًا مقابِلتَها، تكسِرُ سَوْرتها (٣) وحدَّتها، وتبقي لِينَها ورحمتَها؛ فرياحُ الرَّحمة متعدِّدة.

وأمَّا ريحُ العذاب، فإنه ريحٌ واحدةٌ تُرسَلُ من وجهٍ واحدٍ لإهلاك ما تُرسَلُ بإهلاكه، فلا تقومُ لها ريحٌ أخرى تقابلُها، وتكسِرُ سَوْرتها، وتدفعُ حدَّتها، بل تكونُ كالجيش العظيم الذي لا يقاومُه شيء، يدمِّرُ كلَّ ما أتى عليه.

وتأمَّل حكمةَ القرآن وجلالتَه وفصاحتَه كيف اطَّرد هذا فيه في البرِّ، وأمَّا


(١) انظر: «أسماء الريح» لابن خالويه، و «التلخيص» لأبي هلال العسكري (١/ ٤٢٦)، و «الأنواء» لابن قتيبة (١٥٨)، و «الأزمنة والأمكنة» (٢/ ٧٤).
(٢) (ت): «تسدده».
(٣) أي: تخفِّفُ حدَّتها.