للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يُرِيدُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِيهَا اعْتِكَافَهُ

وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا وَلَا يُصَلِّي عَلَى جِنَازَةٍ وَلَا يَخْرُجُ لِتِجَارَةٍ

وَلَا شَرْطَ فِي الِاعْتِكَافِ

وَلَا

ــ

[الفواكه الدواني]

الْخُرُوجَ مُنَافٍ لِلْمُلَازَمَةِ (إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) الَّتِي لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ كَبَوْلٍ، وَمَا لَا غِنَى لَهُ عَنْ تَحْصِيلِهِ كَشِرَاءِ مَأْكُولِهِ وَمَشْرُوبِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ مَحَلًّا قَرِيبًا يُمْكِنُ الشِّرَاءُ مِنْهُ، فَالْمُرَادُ بِحَاجَتِهِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْخُرُوجِ، فَيَشْمَلُ الْخُرُوجَ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لِجَنَابَتِهِ أَوْ عِيدِهِ أَوْ جُمُعَتِهِ أَوْ تَبَرُّدِهِ لِحَرٍّ أَصَابَهُ كَمَا قَالَهُ فِي الطِّرَازِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ فِي الْحَمَّامِ، وَقَوْلُ الشَّامِلِ: وَلَا يَدْخُلُ الْمُعْتَكِفُ الْحَمَّامَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُمْكِنُهُ التَّطَهُّرُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي مَحَلٍّ أَقْرَبَ مِنْهُ، وَيَجُوزُ لَهُ أَيْضًا الْخُرُوجُ لِغَسْلِ ثِيَابِهِ الَّتِي أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ وَلَا غِنَى لَهُ عَنْهَا، وَيَجُوزُ لَهُ انْتِظَارُ تَجْفِيفِهِ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِنَابَةُ لِغَيْرِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَيْضًا الْخُرُوجُ لِمَرَضِ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ لِحُضُورِ جِنَازَةِ أَحَدِهِمَا وَإِنْ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَإِذَا مَاتَا مَعًا لَا يَخْرُجُ لِجِنَازَتِهِمَا وَلَا لِأَدَاءِ شَهَادَةٍ وَإِنْ وَجَبَتْ وَيُؤَدِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَإِذَا خَرَجَ لِشَيْءٍ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ.

(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: يُسْتَحَبُّ لِمُرِيدِ الِاعْتِكَافِ أَنْ يُحَصِّلَ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ قَبْلَ دُخُولِهِ الْمُعْتَكَفِ، وَيُكْرَهُ دُخُولُهُ غَيْرَ مُكَفًّى.

الثَّانِي: إذَا أَرَادَ الْمُعْتَكِفُ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ فَيَأْكُلَ فِي أَيِّ مَحَلٍّ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَيَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ فِي رِحَابِهِ أَوْ فِي الْمَنَارَةِ وَيُغْلِقُهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَكَلَ خَارِجَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ أَكَلَ خَارِجًا عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ.

الثَّالِثُ: كَخُرُوجِهِ لِبَعْضِ حَوَائِجِهِ، وَلِمَانِعٍ حَصَلَ لَهُ كَحَيْضٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ وَقَضَى حَاجَتَهُ أَوْ زَالَ مَانِعُهُ وَقُلْنَا يَرْجِعُ سَرِيعًا هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَوَّلًا، أَوْ يَجُوزُ لَهُ الذَّهَابُ إلَى أَيِّ مَسْجِدٍ حَيْثُ كَانَ مِثْلَ الْأَوَّلِ فِي الْقُرْبِ أَوْ أَقْرَبَ؟ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي عَدَمُ تَعْيِينِ الْأَوَّلِ حَيْثُ وُجِدَ مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي الْقُرْبِ أَوْ أَقْرَبَ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ ابْتَدَأَ اعْتِكَافَهُ فِي مَسْجِدٍ وَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ لَا لِعُذْرٍ بَلْ لِمُجَرَّدِ الِانْتِقَالِ لِيُكْمِلَ فِيهِ اعْتِكَافَهُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ اخْتِيَارًا لَمَا وَجَبَ عَلَى نَاذِرِ أَيَّامٍ تُدْرِكُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ الِاعْتِكَافُ فِي مَحَلِّ خُطْبَةٍ

ثُمَّ بَيَّنَ الزَّمَنَ الَّذِي يُطْلَبُ مِنْ مُرِيدِ الِاعْتِكَافِ الدُّخُولُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَدْخُلْ) مُرِيدُ الِاعْتِكَافِ (مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِيهَا اعْتِكَافَهُ) لِيَسْتَكْمِلَ اللَّيْلَةَ، وَحُكْمُ الدُّخُولِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْوُجُوبُ إنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ مَنْذُورًا، وَالنَّدْبُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَنْذُورًا، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَوْ أَخَّرَ دُخُولَهُ وَدَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ.

قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ إنْ دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَحَلَّ النِّيَّةِ، بَلْ وَلَوْ دَخَلَ مَعَ الْفَجْرِ بِنَاءً عَلَى صِحَّتِهَا مَعَ الْفَجْرِ لَكِنْ مَعَ الْإِثْمِ عَلَى التَّأْخِيرِ فِي الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَهُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ الْوَاجِبَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ

. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُنْهَى الْمُعْتَكِفُ عَنْ فِعْلِهِ فَقَالَ: (وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا) أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، وَالْمُرَادُ فِي الْمَسْجِدِ لَا إنْ كَانَ خَارِجَهُ فَيُمْنَعُ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَأَمَّا سَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا يَقُومُ مِنْ مَحَلِّهِ لِلتَّعْزِيَةِ وَلَا لِلتَّهْنِئَةِ، وَهَذَا حَيْثُ كَانَ الْمَرِيضُ غَيْرَ أَبَوَيْهِ، وَأَمَّا هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِعِيَادَتِهِمَا أَوْ لِجِنَازَةِ أَحَدِهِمَا، وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ كَخُرُوجِهِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ. (وَلَا يُصَلِّي) الْمُعْتَكِفُ (عَلَى جِنَازَةٍ) وَلَوْ لَاصَقَتْ وَلَوْ جِنَازَةَ جَارٍ أَوْ صَالِحٍ، وَالْمُرَادُ يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ فَيَجِبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لِتَجْهِيزِهَا إنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَتُبْطِلُ اعْتِكَافَهُ، وَاتَّفَقَ الشُّيُوخُ عَلَى جَوَازِ حِكَايَتِهِ الْآذَانَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، وَلَا يُقَالُ: الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَكْبِيرٍ وَهُوَ ذِكْرٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ تَقْتَضِي الْمَشْيَ وَالِانْتِقَالَ مِنْ مَحَلِّهِ وَالْمُخَالَطَةَ لِلنَّاسِ الْمُنَافِي كُلٌّ مِنْهُمَا لِلِاعْتِكَافِ، وَلَا يُقَالُ: الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ أَحَبُّ مِنْ النَّفْلِ إذَا قَامَ بِهَا الْغَيْرُ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ جَارًا أَوْ صَالِحًا، وَقُلْتُمْ هُنَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُعْتَكِفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَ) كَذَا (لَا يَخْرُجُ لِتِجَارَةٍ) أَيْ يُكْرَهُ إذَا كَانَ مَحَلُّهَا قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ فَيُمْنَعُ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي خُرُوجِهِ لِأَكْلِهِ، وَمَفْهُومُ التِّجَارَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِنَحْوِ أَكْلِهِ فَلَا يُنْهَى عَنْهُ.

قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ مِنْ عَيْشِهِ الَّذِي لَا يَشْغَلُهُ، وَأَمَّا شِرَاؤُهُ أَوْ بَيْعُهُ لِلتِّجَارَةِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ فَيُكْرَهُ أَيْضًا، فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ يَخْرُجُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُكْرَهُ بَيْعُهُ أَوْ شِرَاؤُهُ لِلتِّجَارَةِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَوْ دَاخِلَهُ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهَا مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَلَوْ خَارِجَهُ بِحَيْثُ لَا يُجَاوِزُ مَحَلًّا قَرِيبًا يُمْكِنُ الشِّرَاءُ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ: أَيَجْلِسُ مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ وَيَكْتُبُ الْعِلْمَ؟ فَقَالَ: لَا يَفْعَلُ إلَّا الْأَمْرَ الْخَفِيفَ وَالتَّرْكُ أَحَبُّ إلَيَّ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَلَا يَخْرُجُ لِمُدَاوَاةِ رَمَدٍ بِعَيْنَيْهِ وَلْيَأْتِهِ مَنْ يُعَالِجُهُ، وَلَا يَصْعَدُ لِتَأْذِينٍ بِمَنَارٍ أَوْ سَطْحٍ.

قَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى مَا يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ بِقَوْلِهِ: وَكُرِهَ أَكْلُهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَاعْتِكَافُهُ غَيْرُ مُكَفًّى، وَدُخُولُهُ مَنْزِلَهُ وَإِنْ لِغَائِطٍ، وَاشْتِغَالُهُ بِعِلْمٍ وَكِتَابَتِهِ وَإِنْ مُصْحَفًا إنْ كَثُرَ، وَفِعْلُ غَيْرِ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَتِلَاوَةٍ كَعِيَادَةٍ وَجِنَازَةٍ وَلَوْ لَاصَقَتْ، وَصُعُودُهُ لِتَأْذِينٍ بِمَنَارٍ أَوْ سَطْحٍ، وَإِخْرَاجُهُ لِحُكُومَةٍ إنْ لَمْ يَلُذْ بِهِ، وَأَشَارَ إلَى الْجَائِزِ بِقَوْلِهِ: وَجَازَ

<<  <  ج: ص:  >  >>