للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[الفواكه الدواني]

الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَتْبَعَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ.

قَالَ الْقَرَافِيُّ نَقْلًا عَنْ غَيْرِ الزَّنَاتِيِّ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَذَاهِبِ وَالِانْتِقَالُ إلَيْهَا فِي كُلِّ مَا لَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي لَا مَا يُنْقَضُ فِيهِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ: مَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ أَوْ الْقَوَاعِدَ أَوْ النَّصَّ أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، فَلِذَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَالِكٍ فِي مِثْلِ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ، وَتَرْك الْأَلْفَاظِ فِي الْعُقُودِ مِنْ شَرْحِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا اللَّقَانِيِّ عَلَى جَوْهَرَتِهِ مَعَ بَعْضِ تَصَرُّفٍ، وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ.

الثَّانِي: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ شُرُوطِ التَّقْلِيدِ أَنْ يَعْتَقِدَ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ الْفَضْلَ وَلَوْ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لِغَيْرِهِ، لَا إنْ اعْتَقَدَ مَفْضُولًا فَلَا يَصِحُّ تَقْلِيدُهُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍّ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَعْظِيمُ مُقَلَّدِهِ وَغَيْرِهِ لَا يَذْكُرُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِمَا يَزِيدُهُمْ جَلَالًا وَعَظَمَةً فِي النُّفُوسِ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَظَّمَ الْعَالِمَ فَإِنَّمَا عَظَّمَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ اسْتَخَفَّ بِالْعَالِمِ فَقَدْ اسْتَخَفَّ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ» . وَعَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ آذَى فَقِيهًا فَقَدْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ اسْتَوْجَبَ اللَّعْنَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» كَمَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِ اللَّعْنَةَ الْكُفْرُ، لِأَنَّ سَبَّ الصَّحَابِيِّ وَالِاسْتِخْفَافَ بِهِ لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ بَلْ النَّبِيُّ وَالْمَلَكُ كَذَلِكَ، وَلِذَلِكَ كَانَ قَتْلُ السَّابِّ لَهُمَا حَدًّا لَا كُفْرًا إلَّا أَنْ يُصِرَّ عَلَى ذَلِكَ.

[خَاتِمَة الْكتاب]

وَلَمَّا مَنَّ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عَلَيْهِ بِالْإِتْمَامِ نَاسَبَ أَنْ يَشْكُرَهُ بِحُسْنِ الْخِتَامِ بِقَوْلِهِ: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ لُغَةً وَعُرْفًا، وَكَوْنُ الْجُمْلَةِ خَبَرِيَّةً أَوْ إنْشَائِيَّةً، وَاخْتَارَتْ خَتْمَهُ بِتِلْكَ الصِّيغَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّا فِيهِ مَعْنَى الْحَمْدِ لِمَا قِيلَ إنَّهَا أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَيَّدَ الْحَمْدَ بِقَوْلِهِ: (الَّذِي هَدَانَا) أَوْ وَفَّقَنَا (لِهَذَا) الْمُؤَلَّفِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى جَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَمَحَاسِنِ خِلْقَتِهِ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْحَمْدَ فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ بِمَعْنَى يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابُ الْوَاجِبِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْحَمْدَ الْمُقَيَّدَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُطْلَقِ خِلَافًا لِمَنْ عَكَسَ، وَالْمُطْلَقُ وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ لَا لَفْظًا وَلَا نِيَّةَ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ، وَأَمَّا شُكْرُ الْمُنْعِمِ بِمَعْنَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ فَهُوَ وَاجِبٌ شَرْعًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ إجْمَاعًا، وَالْحَمْدُ يَقَعُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يُحِبُّهُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ» وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَكْرُوهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» وَأَمَّا الشُّكْرُ فَلَا يَكُونُ إلَّا عَلَى السَّرَّاءِ.

(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ تَفْسِيرِنَا لِاسْمِ الْإِشَارَةِ بِالْمُؤَلَّفِ أَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى مَا وَقَعَ فِي الْخَارِجِ وَهُوَ النُّقُوشُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ أَوْ الْأَلْفَاظِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ، وَلَا يُقَالُ: الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ لَيْسَ إلَّا الشَّخْصُ وَهُوَ لَيْسَ مُسَمًّى الْكِتَابِ وَإِلَّا انْحَصَرَ فِيهِ وَإِنَّمَا مُسَمَّاهُ النَّوْعُ، لِأَنَّا نَقُولُ: فِي كَلَامِهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ لِهَذَا أَيْ لِنَوْعِ هَذِهِ النُّقُوشِ أَوْ الْأَلْفَاظِ، وَقِيلَ: إنَّ الْإِشَارَةَ إلَى مَا فِي الذِّهْنِ مُطْلَقًا أَيْ وَلَوْ تَقَدَّمَ تَأْلِيفُ الْكِتَابِ، وَلَا يُقَالُ: الَّذِي فِي الذِّهْنِ مُجْمَلٌ وَالْمُجْمَلُ لَيْسَ هُوَ مُسَمًّى الْكِتَابِ وَإِنَّمَا مُسَمَّاهُ الْمُفَصَّلُ وَهُوَ غَيْرُ حَاضِرٍ فِي الذِّهْنِ وَالْمُشَارِ إلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، لِأَنَّا نَقُولُ: فِي كَلَامِهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ مُفَصَّلُ هَذَا الْمُجْمَلِ فَالْمُشَارُ إلَيْهِ مُفَصَّلُ الْمُجْمَلِ، ثُمَّ أَكَّدَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْوَصْفُ بِقَوْلِهِ: (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ) إلَيْهِ وَلَا لِغَيْرِهِ بِأَنْفُسِنَا لِعَجْزِنَا وَضَعْفِنَا (لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) أَيْ لَوْلَا هِدَايَةُ اللَّهِ لَنَا، وَهَذَا حَمْدُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ فَفِيهِ التَّفَاؤُلُ بِأَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُهُ وَمَنْ يَنْطِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ عَذَابٍ، وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ فَقَدْ رَآهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يَتَبَخْتَرُ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ: بِمَ نِلْت هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ؟ فَقَالَ: بِقَوْلِي فِي الرِّسَالَةِ وَيَسْتَرْخِي قَلِيلًا، وَمِثْلُ هَذَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ الرُّؤْيَا الْمَنَامِيَّةُ لَا تُفِيدُ الْقَطْعَ وَلَا سِيَّمَا قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: أَخْبَارُ الْمَيِّتِ صِدْقٌ.

(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: هَدَى وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ يَتَعَدَّى إلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِاللَّامِ أَوْ بِإِلَى أَوْ بِنَفْسِهِ نَحْوَ: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: ٥٢] {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: ٩] وَمَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ الْمُوَصِّلَةُ، وَإِنْ عُدِّيَ إلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ فِي مَعْنَاهُ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ خَلْقُ الِاهْتِدَاءِ نَحْوَ: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: ٥٦] أَيْ لَا تَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِيمَنْ أَحْبَبْت، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ نَحْوَ: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: ١٧] أَيْ دَلَلْنَاهُمْ إذْ لَا يَصِحُّ خَلَقْنَا فِيهِمْ الِاهْتِدَاءَ، وَالْمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ يَجُوزُ إسْنَادُهُ إلَى اللَّهِ نَحْوَ: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: ٦٩] وَإِلَى غَيْرِهِ نَحْوَ: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: ٣٨] .

الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ جَوَابَ لَوْلَا لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ وَتَقْدِيرُهُ: لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا.

وَفِي كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا وَفِي صَدْرِ خُطْبَتِهِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ الِاقْتِبَاسِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَدَّدَ فِي مَنْعِهِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ مَنْعِهِ عَلَى مَا اقْتَضَى أَمْرًا قَبِيحًا كَقَوْلِهِ:

<<  <  ج: ص:  >  >>