للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[الفواكه الدواني]

ثَلَاثَةٌ وَالْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ اثْنَانِ وَتَبْقَى عَشَرَةٌ لِأَهْلِ الْفَرِيضَةِ، وَكَأَنْ يُوصِيَ لِرَجُلٍ بِنِصْفِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِرُبُعِهِ فَإِنَّك تَأْخُذُ مَقَامَ النِّصْفِ وَمَقَامَ الرُّبُعِ وَتَنْظُرُ بَيْنَهُمَا فَتَجِدُهُمَا مُتَدَاخِلَيْنِ فَتَكْتَفِي بِالْأَرْبَعَةِ فَتَأْخُذُ نِصْفَهَا وَرُبُعَهَا يَكُونُ الْمَجْمُوعُ ثَلَاثَةً، تُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ لِصَاحِبِ الرُّبُعِ سَهْمٌ وَلِلْآخَرِ سَهْمَانِ، وَإِنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِرُبُعِهِ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلَاثَةٌ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، وَمِمَّا يَقَعُ فِيهِ التَّحَاصُصُ النَّذْرُ وَمُبْتَلُّ الْمَرِيضِ إذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ حَمْلِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ فَإِنَّهُمَا لَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا وَلَكِنْ لَا يَتَحَاصَّانِ وَإِنَّمَا يَقْرَعُ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ مُتَّحِدِي الرُّتْبَةِ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ أَحَدِهِمَا عَلَى غَيْرِهِ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ وَعَدَمُ التَّحَاصُصِ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَبَعَّضُ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.

وَلَمَّا كَانَتْ الْعَطِيَّةُ تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ وَالْوَصِيَّةِ لَا تَلْزَمُ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلِلرَّجُلِ) الْمُرَادُ الْمُوصِي مُطْلَقًا (الرُّجُوعُ عَنْ وَصِيَّتِهِ مِنْ عِتْقٍ وَغَيْرِهِ) مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاصِلَةِ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ فِي انْحِلَالِ عَقْدِهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْوَعْدِ، وَالْوَعْدُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فَقَطْ، وَصِفَةُ الرُّجُوعِ أَنْ يَقُولَ: رَجَعْت عَنْ وَصِيَّتِي أَوْ نَسَخْتهَا.

قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا تَبْطُلُ بِهِ وَبِرُجُوعٍ فِيهَا وَإِنْ يَمْرَضْ بِقَوْلٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ كِتَابَةٍ وَبِإِيلَادٍ وَحَصْدِ زَرْعٍ وَنَسْجِ غَزْلٍ وَصَوْغِ فِضَّةٍ وَحَشْوِ قُطْنٍ وَذَبْحِ شَاةٍ وَتَفْصِيلِ شَقَّةٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ عَنْ وَصِيَّتِهِ وَلَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ عَدَمَ الرُّجُوعِ فِيهَا وَبِهِ الْعَمَلُ، وَصَحَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالشَّرْطِ، وَلَيْسَ مِنْ الْوَصِيَّةِ مَا تَبَلَهُ الْمَرِيضُ فِي مَرَضِهِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ حَبْسٍ فَإِنَّهُ لَازِمٌ لَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ، وَقَوْلُنَا: مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْإِيصَاءِ بِإِخْرَاجِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَوَاتِ وَالدُّيُونِ الَّتِي لَا شَاهِدَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا عَلِمْت بِاعْتِرَافِهِ وَإِيصَائِهِ بِإِخْرَاجِهَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا لِاعْتِرَافِهِ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ.

(تَتِمَّةٌ) تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ مَا أَوْجَبَ حَقًّا فِي ثُلُثِ الْعَاقِدِ، وَسَكَتَ عَنْ النَّوْعِ الثَّانِي وَهُوَ مَا أَوْجَبَ النِّيَابَةَ عَنْ الْمُوصِي بَعْدَ مَوْتِهِ كَإِيصَائِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَصِيغَتُهَا: إنْ قَصُرَتْ عَمَّتْ كَاشْهَدُوا عَلَى أَنَّ فُلَانًا وَصِيٌّ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ وَصِيًّا عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَيُزَوَّجُ صِغَارُ بَنِيهِ لِمَصْلَحَةٍ وَالْبَنَاتُ إذَا بَلَغْنَ، وَأَذِنَ بِالْقَوْلِ: إلَّا أَنْ يَأْمُرَ الْمُوصِي بِالْإِجْبَارِ أَوْ يُعَيَّنَ لَهُ الزَّوْجُ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَجَبْرُ وَصِيٍّ أَمَرَهُ أَبٌ بِهِ أَوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجَ وَإِلَّا فَخِلَافٌ، وَإِذَا طَالَ لَفْظُهَا بِأَنْ قَالَ: وَصِيِّي عَلَى الشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ فَإِنَّهُ تَخْتَصُّ بِذَلِكَ الَّذِي سَمَّاهُ.

قَالَ خَلِيلٌ: وَوَصِيٌّ فَقَطْ يَعُمُّ وَعَلَى كَذَا يَخُصُّ بِهِ، وَاَلَّذِي يُوصِي عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ الْأَبُ الرَّشِيدُ أَوْ الْحَاكِمُ أَوْ وَصِيُّ الْأَبِ أَوْ وَصِيُّ الْوَصِيِّ، وَكَذَا الْأُمُّ لَهَا الْإِيصَاءُ عَلَى الصَّغِيرِ بِشَرْطِ قِلَّةِ الْمَالِ وَعَدَمِ وَلِيٍّ لِلصَّغِيرِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَالُ مَوْرُوثًا مِنْ الْأُمِّ، وَشَرْطُ الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا عَدْلًا فِيهِ الْكِفَايَةُ، بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَحْجُورِ وَلَوْ أَعْمَى، أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا وَيَتَصَرَّفُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ بَعْدَ الْقَبُولِ وَمَوْتِ الْمُوصِي وَإِنَّمَا يَعْزِلُهُ الْفِسْقُ وَالْعَجْزُ، هَذَا حُكْمُ وَصِيِّ النَّظَرِ، وَأَمَّا الْوَصِيُّ عَلَى عِتْقِ عَبْدٍ أَوْ تَفْرِقَةِ ثُلُثِهِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ بَعْدُ.

[أَحْكَام التَّدْبِير]

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْوَصِيَّةِ شَرَعَ فِي ثَانِي الْأَبْوَابِ الْمُتَرْجِمِ لَهَا وَهُوَ التَّدْبِيرُ بِقَوْلِهِ: (وَالتَّدْبِيرُ) مَأْخُوذٌ مِنْ إدْبَارِ الْحَيَاةِ، وَدُبُرُ كُلِّ شَيْءٍ مَا وَرَاءَهُ فَهُوَ بِسُكُونِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا وَالْجَارِحَةُ بِالضَّمِّ لَا غَيْرُ، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: التَّدْبِيرُ عِتْقُ الْعَبْدِ عَنْ دُبُرِ صَاحِبِهِ، وَمَعْنَاهُ شَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَقْدٌ يُوجِبُ عَقْدَ مَمْلُوكٍ مِنْ ثُلُثِ مَالِكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِعَقْدٍ لَازِمٍ، فَقَوْلُهُ: بَعْدَ مَوْتِهِ يَخْرُجُ بِهِ الْمُلْتَزَمُ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ الْمُبْتَلِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَازِمٌ لَهُ إذَا لَمْ يَمُتْ، وَقَوْلُهُ: بِعَقْدٍ لَازِمٍ يَتَعَلَّقُ بِمُوجَبٍ أَخْرَجَ بِهِ الْوَصِيَّةَ، وَالْمُدَبَّرُ هُوَ الْمُعْتَقُ مِنْ ثُلُثِ السَّيِّدِ، سُمِّيَ مُدَبَّرًا لِأَنَّهُ يُعْتَقُ دُبُرَ حَيَاةِ السَّيِّدِ وَكَأَنَّهُ قَالَ: إذَا أَقْبَلْت عَلَى اللَّهِ وَأَدْبَرْت عَنْ الدُّنْيَا فَأَنْتَ حُرٌّ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: ٧٧] وَنَحْوُهُ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ وَلَا يُوهَبُ وَهُوَ حُرٌّ مِنْ الثُّلُثِ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّهُ قُرْبَةٌ وَلَهُ أَرْكَانٌ ثَلَاثَةٌ: الْمُدَبِّرُ بِالْكَسْرِ وَشَرْطُهُ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالرُّشْدُ.

قَالَ خَلِيلٌ: التَّدْبِيرُ تَعَلُّقُ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ وَإِنْ زَوْجَةً فِي زَائِدِ الثُّلُثِ الْعِتْقُ بِمَوْتِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوَصِيَّةِ، فَلَا يُنَفَّذُ تَدْبِيرُ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا سَفِيهٍ وَلَا مَدِينٍ، وَالْأَقْرَبُ لُزُومُهُ لِلسَّكْرَانِ كَعِتْقِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنَّمَا لَزِمَتْ الصَّبِيَّ وَالسَّفِيهَ الْوَصِيَّةُ اسْتِحْسَانًا، وَلِأَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ وَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا، وَالْمُكَلَّفُ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ فَيَصِحُّ تَدْبِيرُ الْكَافِرِ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ وَيَلْزَمُهُ وَيُؤْجَرُ لَهُ وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْكَافِرِ قَرِيبٌ مُسْلِمٌ فَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَ السَّيِّدُ فَيَرْجِعَ لَهُ الْوَلَاءُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ قَرِيبُهُ كَافِرًا قَبْلَ التَّدْبِيرِ يَسْتَحِقُّ وَلَاءَهُ بَلْ يَسْتَمِرُّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا تَدْبِيرُ الْكَافِرِ عَبْدَهُ الْكَافِرِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَلَهُ

<<  <  ج: ص:  >  >>