للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[الفواكه الدواني]

بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ وَيَجُوزُ حَمْلُهَا وَلَوْ كَانَ الْحَامِلُ لَهَا حَائِضًا أَوْ جُنُبًا وَلَوْ كَثِيرٌ مَا فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ حَيْثُ كَانَتْ مَسْتُورَةً، وَأَمَّا بِغَيْرِ سَاتِرٍ فَلَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ قِلَّةِ مَا فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ كَالْآيَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ حَيْثُ كَانَتْ بِسَاتِرٍ يَقِيهَا مِنْ وُصُولِ الْأَذَى.

قَالَ خَلِيلٌ: وَحِرْزٌ بِسَاتِرٍ وَإِنْ لِحَائِضٍ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَلَوْ كَافِرًا أَوْ بَهِيمَةً، وَلَا يَنْبَغِي تَعْلِيقُهَا مِنْ غَيْرِ سَاتِرٍ إلَّا مَعَ قِلَّةِ مَا فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ كَمَا قَدَّمْنَا وَكَانَ الْحَامِلُ لَهَا مُسْلِمًا.

وَلَمَّا قَدَّمَ حُكْمَ مَا يُفْعَلُ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ السَّلَامَةِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُضِرَّةِ لِطَبِيعَةِ الْإِنْسَانِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِمَّا يُوجِبُ عَدَمَ سَلَامَتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا وَقَعَ الْوَبَاءُ) بِالْقَصْرِ عَلَى الْأَفْصَحِ وَهُوَ كُلُّ مَا يَكْثُرُ مِنْهُ الْمَوْتُ كَالسُّعَالِ وَالرِّيحِ لَا خُصُوصُ الطَّاعُونِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ خُصُوصُ الطَّاعُونِ، وَعِلَّةُ النَّهْيِ الْآتِيَةِ تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِالطَّاعُونِ وَهُوَ بَثْرَةٌ مِنْ مَادَّةٍ سُمِّيَّةٍ أَيْ قُرُوحٌ تَحْصُلُ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ مَعَ لَهَبٍ وَاسْوِدَادٍ حَوْلَهَا مِنْ وَخْزِ الْجِنِّ يَحْدُثُ مِنْهَا وَرَمٌ فِي الْغَالِبِ وَقَيْءٌ وَخَفَقَانٌ فِي الْقَلْبِ، تَحْدُثُ غَالِبًا فِي الْمَوَاضِعِ الرَّخْوَةِ كَتَحْتِ الْإِبْطِ وَخَلْفَ الْأُذُنِ، وَالطَّاعُونُ خِلَافُ الْكُبَّةِ لِأَنَّهَا الظَّاهِرَةُ وَالطَّاعُونُ أَشَدُّ مِنْهَا. (بِأَرْضِ قَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِوَقَعَ (فَلَا) يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِمَّنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ أَرْضِهِمْ أَنْ (يَقْدُمَ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الْأَرْضِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْوَبَاءُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا (فَلَا يَخْرُجُ) مِنْهَا (فِرَارًا مِنْهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» وَالنَّهْيُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِلْكَرَاهَةِ، وَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِمَّا يُخَالِفُ هَذِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وَمَفْهُومُ فِرَارًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِحَاجَةٍ فَلَا يُنْهَى عَنْ شَيْءٍ مِمَّا حَصَلَ النَّهْيُ عَنْهُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ الْخُرُوجُ مُطْلَقًا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي حَالِ الْقُدُومِ رُبَّمَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ الْقُدُومِ، وَفِي حَالِ الْخُرُوجِ مَخَافَةَ أَنْ تَتْبَعَ النَّاسُ بَعْضَهَا فِي الْخُرُوجِ فَيَتَزَلْزَلُ اعْتِقَادُ مَنْ نَجَا وَيَضِيعُ مَنْ كَانَ مَرِيضًا وَعَجَزَ عَنْ الْخُرُوجِ بِفَقْدِ مَنْ يَعُودُهُ.

(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إذَا عَلِمْت أَنَّ النَّهْيَ عَنْ دُخُولِ بَلَدِ الْوَبَاءِ أَوْ الْخُرُوجِ مِنْهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْفِرَارِ، ظَهَرَ لَك أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ النَّهْيِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» .

وَفِي رِوَايَةٍ: «إنَّ الطَّاعُونَ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ بِهِ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ» وَقَدْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا عَامَ ثَمَانِ عَشْرَةَ.

الثَّانِي: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ كَالْحَدِيثِ عَلَى حُكْمِ الْخُرُوجِ أَوْ الدُّخُولِ إلَى مَحَلِّ الْوَبَاءِ، وَسَكَتَ عَنْ الدُّخُولِ أَوْ الْخُرُوجِ فِي مَحَلِّ الْوَخْمِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ الْمَرَضُ كَالْأَرْيَاحِ الْمُتَغَيِّرَةِ وَالْحُكْمُ فِيهِ الْجَوَازُ.

قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي بَابِ السَّفَرِ: وَإِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فِيهِ وَخْمٌ نُدِبَ لَهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْوَبَاءِ إذَا كَانَ فِي بَلَدٍ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ.

الثَّالِثُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ لِحُكْمِ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ، وَلِذَا قَالَ شَيْخُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَهُوَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ: وَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ هَلْ يَجُوزُ؟ وَأَفْتَى بَعْضُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ وَالشَّهَادَةُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِرَفْعِهَا، وَلَمْ أَقِفْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ سَيِّدِي أَحْمَدَ زَرُّوقٍ وَالْقَلْشَانِيَّ اسْتَعْمَلَا لِذَلِكَ أَدْعِيَةً لِلِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَلَفْظُ دُعَاءِ سَيِّدِي أَحْمَدَ زَرُّوقٍ: تَحَصَّنْت بِذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَاعْتَصَمْت بِرَبِّ الْمَلَكُوتِ، وَتَوَكَّلْت عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، اصْرِفْ عَنَّا الْأَذَى إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا

وَلَفْظُ دُعَاءِ الْقَلْشَانِيِّ: اللَّهُمَّ سَكِّنْ فِتْنَةَ صَدْمَةِ قَهْرَمَانَ الْجَبَرُوتِ بِأَلْطَافِك الْخَفِيَّةِ الْوَارِدَةِ النَّازِلَةِ مِنْ بَابِ الْمَلَكُوتِ حَتَّى نَتَشَبَّثَ بِأَلْطَافِك، وَنَعْتَصِمَ بِك عَنْ إنْزَالِ قُدْرَتِك، يَا ذَا الْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ وَالرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا أُخِذَ مِنْ جَوَازِ الدُّعَاءِ بِسَبَبِ دُعَاءِ هَذَيْنِ الشَّيْخَيْنِ يُشْكِلُ عَلَيْهِ كَوْنُ الْمَوْتِ بِالطَّاعُونِ شَهَادَةً حَتَّى دَعَا الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِهَا لِأُمَّتِهِ حَيْثُ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ» وَالشَّهَادَةُ لَا يَطْلُبُ رَفْعُهَا. فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ شَهَادَةٍ يُطْلَبُ حُصُولُهَا، إذْ قَدْ تَكُونُ الشَّهَادَةُ مَرْغُوبًا عَنْهَا كَمَا وَرَدَ: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ» وَمَعَ أَنَّ لِقَاءَهُ يَسْتَلْزِمُ الشَّهَادَةَ غَالِبًا.

١ -

(فَائِدَةٌ) مِمَّا جُرِّبَ لِلْحِفْظِ وَمِنْ وَخْزِ الْجِنِّ أَنْ يُكْتَبَ فِي حِرْزٍ آيَاتٌ غَيْرُ مَطْمُوسَةِ الْحُرُوفِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: ٢٥٥] سَبْعَ مَرَّاتٍ: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [إبراهيم: ٤٧] أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَمِمَّا جُرِّبَ لِلْحِفْظِ مِنْ الْجِنِّ أَيْضًا كِتَابَةُ سُورَةِ الْبُرُوجِ فِي حِرْزٍ وَيُعَلَّقُ أَوْ فِي إنَاءٍ وَتُمْحَى وَيُشْرَبُ مَاؤُهَا.

[الْكَلَامِ عَلَى الطِّيَرَة]

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى التَّعَالُجِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى ثَانِي مَا فِي التَّرْجَمَةِ وَهُوَ الطِّيَرَةِ

<<  <  ج: ص:  >  >>