للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يَنْفِيهِ إلَى بَلَدٍ يُسْجَنُ بِهَا حَتَّى يَتُوبَ.

فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَ تَائِبًا وُضِعَ عَنْهُ كُلُّ حَقٍّ هُوَ لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَأُخِذَ بِحُقُوقِ النَّاسِ مِنْ مَالٍ أَوْ دَمٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللُّصُوصِ ضَامِنٌ لِجَمِيعِ مَا سَلَبُوهُ مِنْ الْأَمْوَالِ.

وَتَقْتُلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ فِي الْحِرَابَةِ وَالْغِيلَةِ وَإِنْ وَلِيَ الْقَتْلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَيُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِقَتْلِ الذِّمِّيِّ قُتِلَ غِيلَةٍ أَوْ حِرَابَةٍ.

وَمَنْ زَنَى مِنْ حُرٍّ مُحْصَنٍ

ــ

[الفواكه الدواني]

مِنْ خِلَافٍ) بِأَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى وَلَاءً مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةً فِي قِصَاصٍ مَثَلًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى حَتَّى يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ خِلَافٍ، وَصِفَةُ قَطْعِ الْيَدِ قِيلَ عَلَى حَدِّ الْأَصَابِعِ وَقِيلَ مِنْ الْكُوعِ، وَفِي الرِّجْلِ قِيلَ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ وَقِيلَ تُقْطَعُ مِنْ الْكَعْبِ.

(أَوْ) أَيْ وَإِمَّا (يَنْفِيهِ) إنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا (إلَى بَلَدٍ يُسْجَنُ بِهَا) كَمَا يُنْفَى فِي الزِّنَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةُ قَصْرٍ كَفَدَكَ وَخَيْبَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَغَايَةُ حَبْسِهِ (حَتَّى يَمُوتَ) أَوْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُحَارِبُ عَبْدًا لَخُيِّرَ فِيهِ الْإِمَامُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءِ: الْقَطْعُ مِنْ خِلَافٍ، أَوْ الْقَتْلُ الْمُجَرَّدُ، أَوْ الصَّلْبُ ثُمَّ الْقَتْلُ، وَلَا يُنْفَى إلَّا أَنْ يَرْضَى سَيِّدُهُ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْقَتْلِ الْمُجَرَّدِ أَوْ الْقَطْعِ مِنْ خِلَافٍ، وَلَا تُصْلَبُ وَلَا تُنْفَى إلَّا أَنْ تَرْضَى بِالنَّفْيِ إلَى بَلَدٍ عَلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ وَوُجِدَتْ رُفْقَةٌ مَأْمُونَةٌ فَذَلِكَ لَهَا، لِأَنَّ هَذَا أَهْوَنُ عَلَيْهَا مِنْ قَطْعِهَا مِنْ خِلَافٍ وَمِنْ قَتْلِهَا، وَمَحَلُّ التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ مَا لَمْ يَكُنْ قَتَلَ أَحَدًا وَإِلَّا تَعَيَّنَ قَتْلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَتَرَتَّبُ عَلَى قَتْلِهِ مَفْسَدَةٌ أَشَدُّ، كَمَا كَانَ يَقَعُ فِي غَرْبِ إفْرِيقِيَةَ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَخْصًا وَقَتَلُوهُ بِهِ يُخَرِّبُونَ الْبِلَادَ وَيَقْتُلُونَ خَلَائِقَ كَثِيرَةً وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي زَمَانِنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة: ٣٣] إلَى أَنْ قَالَ: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: ٣٤] بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، فَأَوْ فِي الْآيَةِ لِلتَّخْيِيرِ عَلَى الْمَشْهُورِ، إذْ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ فِعْلُ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لَهُ النَّظَرُ فِي حَالِ الْمُحَارِبِ، فَإِنْ كَانَ ذَا تَدْبِيرٍ اُسْتُحِبَّ قَتْلُهُ، وَإِنْ كَانَ ذَا بَطْشٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْقَطْعُ وَلِغَيْرِهِمَا، وَمَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ فَلْتَةُ النَّفْيِ وَالضَّرْبِ وَالتَّعْيِينُ لِلْإِمَامِ لَا لِمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَنَحْوُهَا.

(فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُحَارَبُ (حَتَّى جَاءَ) إلَى الْإِمَامِ (تَائِبًا) أَوْ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحِرَابَةِ بِأَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ (وُضِعَ عَنْهُ كُلُّ حَقٍّ هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ ثُمَّ قَتْلِهِ أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلَافٍ.

قَالَ خَلِيلٌ: وَسَقَطَ حَدُّهَا بِإِتْيَانِ الْإِمَامِ طَائِعًا أَوْ تَرَكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: ٣٤] فَلَا يَسْقُطُ حَدُّهَا بِتَأْمِينِ الْإِمَامِ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ تَأْمِينُهُ وَإِنْ جَازَ لَهُ تَأْمِينُ الْكَافِرِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ يُقَرُّ عَلَى حَالِهِ بِالتَّأْمِينِ، وَتُتْرَكُ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ بِيَدِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ لِلْمُحَارِبِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: مِنْ ذَلِكَ أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُحَارِبِ بِتَوْبَتِهِ بَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ وَلِذَا قَالَ: (وَأُخِذَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ الْعَائِدُ عَلَى الْمُحَارِبِ (بِحُقُوقِ النَّاسِ مِنْ مَالٍ أَوْ دَمٍ) تَعَلَّقَ بِهِ زَمَنَ حِرَابَتِهِ، وَمِثْلُهُ حُقُوقُ اللَّهِ سِوَى عُقُوبَةِ الْحِرَابَةِ كَأَنْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ زَنَى وَهُوَ مُحَارِبٌ فَإِنَّهُ يُسْتَوْفَى مِنْهُ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ إنَّمَا أَسْقَطَتْ حَدَّ الْحِرَابَةِ فَقَطْ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأُخِذَ بِحُقُوقِ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ نَصَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَالْحُمَلَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللُّصُوصِ) أَيْ الْمُحَارِبِينَ (ضَامِنٌ لِجَمِيعِ مَا سَلَبُوهُ) أَيْ نَهَبُوهُ (مِنْ الْأَمْوَالِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ إنَّمَا تَقَوَّى بِأَصْحَابِهِ، فَالْمُرَادُ بِاللِّصِّ هُنَا الْمُحَارِبُ سَوَاءٌ أُخِذَ فِي حَالِ تَلَصُّصِهِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا، فَاللُّصُوصُ كَالْحُمَلَاءِ فَكُلُّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ يَغْرَمُ جَمِيعَ مَا أَخَذُوهُ وَيَرْجِعُ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ أَوْ لَمْ يَأْخُذْ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ، وَمِثْلُ الْمُحَارِبِينَ الْغُصَّابُ وَالْبُغَاةُ، وَأَمَّا مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْحِرَابَةِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِحُكْمِهِ مِنْ جِهَةِ أَخْذِ الْمَالِ مِنْ تَرِكَتِهِ أَمْ يُتَّبَعُ بِهِ إنْ قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ أَوْ غُرِّبَ.

وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ حُكْمَهُ كَالسَّارِقِ، فَمَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَا يُتَّبَعُ بِمَا أَخَذَ إلَّا إذَا اتَّصَلَ يَسَارُهُ بِحَدِّهِ لَا مَنْ أَعْدَمَ بَعْدَ الْأَخْذِ وَلَوْ أَيْسَرَ يَوْمَ إقَامَةِ الْحَدِّ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَيُتَّبَعُ مُطْلَقًا، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَعَدَمَ كُلٌّ عَنْ الْجَمِيعِ مُطْلَقًا وَاتُّبِعَ كَالسَّارِقِ،

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ كَيْفِيَّةِ أَخْذِ الْمَالِ مِنْ الْمُحَارِبِ شَرَعَ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ أَخْذِ الدَّمِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ أَنْ (تُقْتَلَ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ) الَّذِي قَتَلُوهُ (فِي الْحِرَابَةِ وَالْغِيلَةِ) وَهِيَ الْقَتْلُ لِأَخْذِ الْمَالِ الْمُحْتَرَمِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ وَهِيَ مِنْ أَنْوَاعِ الْحِرَابَةِ.

(وَإِنْ وَلِيَ) أَيْ بَاشَرَ (الْقَتْلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) وَأَعَادَ هَذَا وَإِنْ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: وَإِنْ قَتَلَ أَحَدًا فَإِنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ لِمَا فِي هَذَا مِنْ الزِّيَادَةِ وَهِيَ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ وَلِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَيُقْتَلُ

<<  <  ج: ص:  >  >>