للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال القرطبي: (معنى الحديث أن من حصل له ذلك فقد حصل على مطلوبه، وظفر بمرغوبه في الدارين) (١).

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم كان يومًا يحدث، وعنده رجلٌ من أهل البادية: ((أن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع، قال: فبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله، عز وجل: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيءٌ، فقال الأعرابي: والله لا نجده إلا قرشيا، أو أنصاريا، فإنهم أصحاب زرعٍ، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرعٍ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم)) (٢).

قال ابن بطال: (وقوله: (دونك يا ابن آدم، لا يشبعك شيء) يدل على فضل القناعة، والاقتصار على البلغة، وذم الشره والرغبة) (٣).

وقال ابن حجر (وفيه إشارةٌ إلى فضل القناعة وذم الشره) (٤).

- وقال صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتًا)) (٥).

قال ابن حجر: (أي اكفهم من القوت بما لا يرهقهم إلى ذل المسألة ولا يكون فيه فضولٌ تبعث على الترفه والتبسط في الدنيا وفيه حجةٌ لمن فضل الكفاف لأنه إنما يدعو لنفسه وآله بأفضل الأحوال) (٦).

وقال النووي: (قال أهل اللغة العربية القوت ما يسد الرمق وفيه فضيلة التقلل من الدنيا والاقتصار على القوت منها والدعاء بذلك) (٧).

- وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أصبح وأمسى آمنا في سربه معافى في بدنه، عنده قوت يومه؛ كان كمن حيزت له الدنيا بحذافيرها)) (٨).

قال النووي: (فيه فضيلة هذه الأوصاف) (٩).

وقال المناوي: ((عنده قوت يومه) أي غذاؤه وعشاؤه الذي يحتاجه في يومه ذلك يعني من جمع الله له بين عافية بدنه وأمن قلبه حيث توجه وكفاف عيشه بقوت يومه وسلامة أهله فقد جمع الله له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها بأن يصرفها في طاعة المنعم لا في معصية ولا يفتر عن ذكره) (١٠).

وقال المباركفوري: ((عنده قوت يومه) أي كفاية قوته من وجه الحلال (فكأنما حيزت) ... والمعنى فكأنما أعطي الدنيا بأسرها انتهى) (١١).

- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن؟) قلت: أنا يا رسول الله! فأخذ يدي فعد خمسًا، فقال: (اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك ; فإن كثرة الضحك تميت القلب)) (١٢).

قال المناوي: ((وارض بما قسم الله لك) أي: أعطاك (تكن أغنى الناس) فإن من قنع بما قسم له ولم يطمع فيما في أيدي الناس استغنى عنهم ليس الغنى بكثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس) (١٣).


(١) ((تطريز رياض الصالحين)) لفيصل الحريملي (ص٣٤١).
(٢) رواه البخاري (٢٣٤٨).
(٣) ((شرح البخاري)) لابن بطال (٦/ ٤٨٩).
(٤) ((فتح الباري)) لابن حجر (٥/ ٢٧).
(٥) رواه مسلم (١٠٥٥).
(٦) ((فتح الباري)) لابن حجر (١١/ ٢٧٥).
(٧) ((المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج)) للنووي (٧/ ١٤٦).
(٨) رواه الترمذي (٢٣٤٦)، وابن ماجه (٣٣٥٧)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٠٠)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧/ ٢٩٤) (١٠٣٦٢)، والمنذري في ((الترغيب والترهيب)) (١/ ٣٣٥). من حديث عبيدالله بن محصن رضي الله عنه. قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وقال البيهقي: أصح ما روي في الباب، وحسنه ابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (٥/ ١٥) كما قال في المقدمة، والسيوطي في ((الجامع الصغير)) (٨٤٥٥)، والسفاريني الحنبلي في ((شرح كتاب الشهاب)) (٩٩)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)).
(٩) ((فتح الباري)) لابن حجر (١١/ ٢٧٥).
(١٠) ((فيض القدير)) للمناوي (٦/ ٦٨).
(١١) ((تحفة الأحوذي)) للمباركفوري (٧/ ١٠).
(١٢) رواه الترمذي (٢٣٠٥)، وابن ماجه (٣٤١٧)، وأبو يعلى في ((المسند)) (١١/ ١١٣) (٦٢٤٠)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٧/ ١٢٥) (٧٠٥٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧/ ٧٨) (٩٥٤٣). قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان والحسن لم يسمع من أبي هريرة، وقال ابن عساكر في ((معجم الشيوخ)) (٢/ ٧٩٠): حسن غريب، وحسنه ابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (٥/ ٨) كما قال في المقدمة، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)).
(١٣) ((التيسير بشرح الجامع الصغير)) للمناوي (١/ ٢٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>