للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ

- المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَولُ المُصَنِّفِ فِي المَسْأَلَةِ التَّاسِعَةِ: "كَونُهُ دَخَلَ النَّارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذُّبَابِ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْهُ؛ بَلْ فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِنْ شَرِّهِم! " فِيهِ إِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ العُذْرِ بِالإِكْرَاهِ (١)! فَمَا الجَوَابُ؟

الجَوَابُ:

فِيهِ تَوجِيهَاتٌ عِدَّةٌ:

١ - إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ قَاصِدًا لِهَذَا الذَّبْحِ غَيرَ مُبَالٍ بِحُرْمَتِهِ -فَهُوَ غَيرُ مُكْرَهٍ- كَمَا يَدُلُّ لِذَلِكَ قَولُ الأَوَّلِ: ((لَيسَ عِنْدِي شَيءٌ أُقَرِّبُ)) فَامْتِنَاعُهُ عَنِ الذَّبْحِ أَوَّلًا كَانَ سَبَبُهُ عَدَمَ المُلْكِ وَلَيسَ كَونَهُ شِرْكًا، وَلَكَانَ أَولَى بِهِ أَنْ يَرْجِعَ أَدْرَاجَهُ لِأَنَّهُم إِنَّمَا مَنَعُوا مُجَاوَزَةَ الصَّنَمِ لِمَنْ لَمْ يَذْبَحْ، وَلَمْ يُخيِّرُوهُ بَينَ قَتْلِهِ وَبَينَ ذَبْحِهِ لِلقُرْبَانِ (٢).


(١) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (١/ ٢٧١): "هَذِهِ المِسْأَلَةُ غَيرُ مُسَلَّمَةٍ، فَإِنَّ قَولَهُ: ((قرِّبْ وَلَو ذُبَابًا)) يَقْتَضِي أنَّهُ فَعَلَهُ قَاصِدًا التَّقَرُّبَ، وَلَيسَ كَقَولِ المُصَنِّفِ: (لَمْ يَقْصِدْهُ)، أَمَّا لَو فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِنْ شَرِّهِم؛ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ لِعَدَمِ قَصْدِ التَّقَرُّبِ".
(٢) قُلْتُ: وَلَا أَظُنُّ أَنَّ الشَّيخَ المُصَنِّفَ قَصَدَ ظَاهِرَ الكَلَامِ -مِنْ جِهَةِ تَكْفِيرِ مَنْ فَعَلَ الكُفْرَ دُونَ قَصْدٍ مُطْلَقًا- وَذَلِكَ مِنْ جِهَتَينِ:
١ - أَنَّ المُصَنِّفَ قَالَ فِي المَسْأَلِةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ نَفْسِ البَابِ: "مَعْرِفَةُ أَنَّ عَمَلَ القَلْبِ هُوَ المَقْصُودُ الأَعْظَمُ؛ حَتَّى عِنْدَ عَبَدَةِ الأَصْنَامِ".
٢ - قَولِ شُرَّاحِ الكِتَابِ الأَئِمَّةِ المَعْرُوفِينَ بِمَعْرِفَةِ مَنْهَجِ الشَّيخِ -كَصَاحِبِ فَتْحِ المَجِيدِ، وَابْنِ قَاسِمٍ فِي حَاشِيَتِهِ-: "أَنَّهُ دَخَلَ النَّارَ بِسَبَبٍ لَمْ يَقْصِدْهُ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِنْ شَرِّ أَهْلِ الصَّنَمِ"، حَيثُ قَيَّدُوا عَدَمَ القَصْدِ فِي الابْتِدَاءِ لِبَيَانِ أَنَّهُ انْتِهَاءً قَد قَصَدَ الكُفْرَ بِنَفْسِهِ؛ وَأَنَّهُ لَمْ يُبَالِ بِهِ. يُنْظَر: فَتْحُ المَجِيدُ (ص ١٤٩)، حَاشِيَةُ كِتَابِ التَّوحِيدِ لِابْنِ قَاسِم (ص ١٠١).
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ مَا وَجَّهْتُهُ -وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- قَولُهُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٠٦]: "أَنَّ الرُّخْصَةَ لِمَنْ جَمَعَ بَينَهُمَا، خِلَافَ المُكْرَهِ فَقَط"، حَيثُ جَعَلَ مُجَرَّدَ الإِكْرَاهِ لَيسِ بِعُذْرٍ حَتَّى يُضَافَ إِلَيهِ الاطْمِئْنَانُ بِالإيمَانِ. انْظُرْ كِتَابَ (تَفْسِيرِ آيَاتٍ مِنَ القُرآنِ الكَريمِ) -مَطْبُوعٌ ضِمْنَ مُؤَلَّفَاتِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ- الجُزْءُ الخَامِسُ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.

<<  <  ج: ص:  >  >>