للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَدِلَّةُ المُخَالِفِينَ:

إِنَّ أَقْوَى مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ هُوَ:

الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: حَدِيثُ قَلِيبِ بَدْرٍ المُتَقَدِّمِ؛ وَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا سَبَقَ بَيَانُهُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَهْلِ القَلِيبِ مِنْ جِهَةٍ، وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأَصْلَ فِي المَوتَى أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَأَنَّ سَمَاعَهُم كَانَ خَرْقًا لِلعَادَةِ فَلَا دَاعِيَ لِلإِعَادَةِ.

الدَّلِيلُ الثَّانِي: حَدِيثُ خَفْقِ النِّعَالِ.

فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ المَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ؛ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا، يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَان: … )) (١).

وَالجَوَابُ: أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِوَقْتِ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَمَجِيءِ المَلَكَينِ إِلَيهِ لِسُؤَالِهِ؛ فَلَا عُمُومَ فيهِ، وَلِذَلِكَ فَقَدِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ البُخَارِيُّ فِي تَبْوِيبِهِ عَلَى الحَدِيثِ حَيثُ قَالَ: "بَابُ المَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ" (٢).

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ البُخَارِيِّ (٣/ ٣٢٠): "قَولُهُ فِي المَيِّتِ: ((إِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِم)) وَكَلَامُهُ مَعَ المَلَكَينِ يُبَيِّنُ قَولَهُ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢] أَنَّهُ عَلَى غَيرِ العُمُومِ.

قَالَ المُهَلَّبُ: وَلَا مُعَارَضَةَ بَينَ الآيَةِ وَالحَدِيثِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا نُسِبَ إِلَى المَوتَى مِنْ اسْتِمَاعِ النِّدَاءِ وَالنَّوحِ فَهِيَ فِي هَذَا الوَقْتِ عِنْدَ الفِتْنَةِ أَوَّلَ مَا يُوضَعُ المَيِّتُ فِي قَبْرِهِ، أَو مَتَى شَاءَ اللهُ أَنْ يَرُدَّ أَرْوَاحَ المَوتَى رَدَّهَا إِلَيهِم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ


(١) البُخَارِيُّ (١٣٣٨)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٧٠).
(٢) البُخَارِيُّ (٢/ ٩٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>