للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشَّرْحُ

- إِنَّ سَبَّ الدَّهْرِ يُنَافي كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، وَيَعُودُ عَلَى اللهِ جَلَّ وَعَلَا بِالإِيذَاءِ؛ لِأَنَّه سَبٌّ لِمَنْ تَصَرَّفَ بِهَذَا الدَّهْرِ.

وَفِي الحَدِيثِ: ((مَنْ لَعَنَ شَيئًا لَيسَ لَهُ بِأَهْلٍ؛ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيهِ)) (١).

- الآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ نِسْبَةَ الأَشْيَاءِ إِلَى الدَّهْرِ اسْتِقْلَالًا هِيَ مِنْ خِصَالِ المُشْرِكِينَ أَعْدَاءِ التَّوحِيدِ، وَمِنْهُ قَولُ ابْنِ المُعْتَزِّ (٢):

"يَا دَهْرُ وَيحَكَ مَا أَبْقَيتَ لِي أَحَدًا … وَأَنْتَ وَالِدُ سُوءٍ تَأْكُلُ الوَلَدَ" (٣).

فَلَا تَصِحُّ نِسْبَةُ الإِهْلَاكِ إِلَى الدَّهْرِ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ لَيسَ لَهُ تَصَرُّفٌ لَا فِي غَيرِهِ وَلَا فِي نَفْسِهِ أَصْلًا! بَلِ اللهُ جَلَّ وَعَلَا هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيَقْضِي فِيهِ بِمَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ، وَلَكِنَّ الأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ عَودَةُ مَسَبَّةِ الدَّهْرِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.

قَالَ الشَّافِعِيُّ : "وَإِنَّمَا تَأْوِيلُهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-: أَنَّ العَرَبَ كَانَ شَأْنُهَا أَنْ تَذُمَّ الدَّهْرَ وَتَسُبَّهُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ مَوتٍ أَو هَرمٍ أَو تَلَفٍ أَو غَيرِ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: إِنَّمَا يُهْلِكُنَا الدَّهْرُ -وَهُوَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ-! وَهُمَا الفَنَتَانِ (٤) وَالجَدِيدَانِ، فَيَقُولُونَ: أَصَابَتْهُمْ قَوَارِعُ الدَّهْرِ، وَأَبَادَهُمُ الدَّهْرُ، وَأَتَى عَلَيهِمْ، فَيَجْعَلُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ


(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٠٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٥٢٨).
(٢) هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ المُعْتَزُّ بِاللهِ بْنُ المُتَوَكِّلِ بْنِ المُعْتَصِمِ بْنِ الرَّشيدِ العَبَّاسِيُّ، أَبُو العَبَّاسِ، (ت ٢٩٦ هـ).
(٣) اُنْظُرْ كِتَابَ البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (١٤/ ٧١٣) لِلحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ .
(٤) "مُثَنَّى الفَنَة: السَّاعَةُ مِنَ الزَّمَانِ، وَأَيضًا: الطَّرَفُ مِنَ الدَّهْرِ كَالفَينَةِ، يَقُولُونَ: كُنْتُ بِحَالِ كَذَا وَكَذَا فَنَّةً مِنَ الدَّهَرِ". تَاجُ العَرُوسِ (٣٥/ ٥١٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>