للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قِيَاسُ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ!

حَيثُ ادَّعَى المُخَالِفُونَ أَنَّ التَّوَسُّل بِذَوَاتِ الصَّالِحِينَ وَأَقْدَارِهِم أَمْرٌ مَطْلُوبٌ وَجَائِزٌ، لِأَنَّ أَحَدَنَا إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ عِنْدَ مَلِكٍ أَو وَزِيرٍ أَو مَسْؤُولٍ كَبِيرٍ فَإِنَّهُ لَا يَذْهَبُ إِلَيهِ مُبَاشَرَةً لِأَنَّهُ يَشْعُرُ أَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَلْتَفِتُ إِلَيهِ -هَذَا إِذَا لَمْ يَرُدَّهُ أَصْلًا-! لِذَلِكَ كَانَ مِنَ الطَّبِيعِيِّ إِذَا أَرَدْنَا حَاجَةً مِنْ مِثْلِهِ؛ فَإِنَّنَا نَبْحَثُ عَمَّنْ يَعْرِفُهُ -وَيَكُونُ مُقَرَّبًا إِلَيهِ-، وَنَجْعَلُهُ وَاسِطَةً بَينَنَا وَبَينَهُ؛ فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ اسْتَجَابَ لَنَا، وَقُضِيَتْ حَاجَتُنَا، وَهَكَذَا الأَمْرُ نَفْسُهُ فِي عَلَاقَتَنِا بِاللهِ -بِزَعْمِهِم-!!

وَالجَوَابُ (١): أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ عَلِيلٌ، وَهُوَ مِنَ المُنْكَرِ العَظِيمِ (٢)، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ:

أ- أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيعٌ عَلِيمٌ بَصِيرٌ؛ لَيسَ كَآحَادِ خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ، فَالمُلُوكُ وَأَشْبَاهُهُم يَحْتَاجُونَ إِلَى مَنْ يُبَلِّغُهُم أَحْوَالَ الفُقَرَاءِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ، فَهَذَا مِنْ قِيَاسِ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ -تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُهُ الظَّالِمُونَ- (٣).


(١) بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ.
(٢) وَالمُنْكَرُ العَظِيمُ هُوَ مِنْ جِهِةِ المِثَالِ المَذْكُورِ -لَا مِنْ جِهَةِ مَسْأَلِة التّوَسُّلِ بِجَاهِ الصَّالِحِينَ- وَعَلَيهِ أَوجُهُ الرَّدِّ.
كَمَا يَصِحُّ الرَّدُّ بِهَذِهِ الأَوجُهِ عَلَى مَنْ اسْتَدَلَّ بِنفْسِ المِثَالِ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَغَاثَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى مِنَ الصَّالِحِينَ وَالأَولِيَاءِ بِدَعْوَى أَنَّهُم هُمُ الَّذِينَ يَرْفَعُونَ حَوَائِجَ الخَلْقِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.
(٣) قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ : "لَا خِلَافَ بَينَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ -وَهُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالحَدِيثِ- فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ فِي التَّوحِيدِ؛ وَإِثْبَاتِهِ فِي الْأَحْكَامِ؛ إِلَّا دَاوُدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ الأَصْفَهَانِيَّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيَّ وَمَنْ قَالَ بِقَولِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ نَفَوَا القِيَاسَ فِي التَّوحِيدِ وَالأَحْكَامِ جَمِيعًا، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ فَعَلَى قَولَينِ فِي هَذَا الْبَابِ سِوَى القَولَينِ المَذْكُورَينِ، مِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ الْقِيَاسَ فِي التَّوحِيدِ وَالْأَحْكَامِ جَمِيعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ فِي التَّوحِيدِ وَنَفَاهُ فِي الْأَحْكَامِ". جَامِعُ بَيَانِ العِلْمِ وَفَضْلِهِ (٢/ ٨٨٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>