للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جـ- دَعْوَى أَنَّ العَقْلَ دَلَّ عَلَى صِفَةِ الإِرَادَةِ وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى صِفَةِ الرَّحْمَةِ! فِيهِ مُجَازَفَةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ تَنَوُّعُ المَخْلُوقَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَالِقَهَا مُرِيدٌ لِهَذَا التَّنَوُّعِ؛ فَأَوضَحُ مِنْهُ مَا قَامَ فِي الفِطَرِ وَنُفُوسِ النَّاسِ مِنْ حُصُولِ النِّعَمِ وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ وَانْتِشَارِ الخَيرِ وَتَفْرِيجِ الغَمِّ وَنُزُولِ الغَيثِ مِمَّا فِيهِ بَيَانُ رَحْمَةِ مَنْ أَجْرَى تِلْكَ الأُمُورَ، وَهُوَ الَّذِي تَرَاهُ يَجْرِي عَلَى لِسَانِ العَامَّةِ مِنْهُم فَضْلًا عَنِ الخَاصَّةِ.

وَكَمَا سَبَقَ فِي شِعْرِ امْرِئِ القَيسِ: "تِلْكَ السَّحَابُ إِذَا الرَّحْمَنُ أَنْشَأَهَا … رَوَّى بِهَا مِنْ مَحُولِ الأَرْضِ أَنْفَاسًا".

وَ (المَحْلُ): الجُوعُ الشَّدِيدُ (١).

د- أَنَّ الرَّحْمَةَ مُغَايِرَةٌ لِلثَّوَابِ أَوِ الرِّضَى أَوِ الفَضْلِ! فَاللهُ تَعَالَى وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ، وَبِهَا يَرْحَمُ الكَافِرَ في الدُّنْيَا، وَلَكِنَّهُ لَا يُثِيبُهُ وَلَا يَرْضَى عَنْهُ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا-!

وَفِي الحَدِيثِ: ((جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مَائَةَ جُزْءٍ، فَأمسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِن ذَلِكَ الجُزْءِ تَتَراحَمُ الخَلَائِقُ؛ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ)) (٢).

وَكَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يُونُس: ٥٨] فَفَرَّقَ اللهُ تَعَالَى بَينَ الرَّحْمَةِ وَالفَضْلِ أَيضًا؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى المُغَايَرَةِ.


(١) لِسَانُ العَرَبِ (١١/ ٦١٦).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٠٠٠)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٥٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>