للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكلاهما متساويان؛ فهذا مما لم يقُم دليلٌ على ثبوته، بل الدَّليلُ يقتضي نفيَه، فإنَّ المصلحة والمفسدة، والمنفعة والمضرَّة، واللذَّة والألم، إذا تقابلا فلا بدَّ أن يغلبَ أحدُهما الآخر فيصير الحكمُ للغالب، وأمَّا أن يتدافعا ويتصادما بحيث لا يغلبُ أحدُهما الآخرَ فغيرُ واقعٍ أصلًا.

فإنه إمَّا أن يقال: يوجدُ الأثران (١) معًا، وهو محال؛ لتصادمهما (٢) في المحلِّ الواحد. وإمَّا أن يقال: يمتنعُ وجودُ كلٍّ من الأثرين (٣)، وهو ممتنعٌ أيضًا؛ لوجود مقتضيه. وإمَّا أن يقال بوِجدان أحدهما دون الآخر ــ مع تساويهما ــ، وهو ممتنع؛ لأنه ترجيحٌ لأحد الجائزَين (٤) من غير مرجِّح.

وهذا المحالُ إنما نشأ من فَرْض تدافُع المؤثِّرَين وتصادمهما، فهو محال، فلا بدَّ أن يقهر أحدُهما صاحبَه فيكون الحكمُ له.

فإن قيل: ما المانعُ من أن يمتنع وجودُ الأثرين؟ قولكم: «إنه محالٌ لوجود مقتضيه» إن أردتم به المقتضي السَّالم عن المعارض فغيرُ موجود، وإن أردتم المقتضي المقارِن لوجود المعارض فتخلُّف أثره عنه غيرُ ممتنع والمعارض قائمٌ هاهنا في كلٍّ منهما، فلا يمتنعُ تخلُّفُ الأثرين.

فالجواب: أنَّ المعارض إذا كان قد سَلَبَ تأثيرَ المقتضي في مُوجَبه مع قوَّته وشدَّة اقتضائه لأثره، ومع هذا فقد قَوِي على سَلْبه قوَّة التأثير والاقتضاء، فلأنْ يقوى على سَلْبه قوَّة مَنْعِه لتأثيره هو في مقتضاه ومُوجَبه


(١) (د، ق): «الأمران». وسيأتي على الصواب.
(٢) (ق): «وهو مجاز، لتضادهما». خطأ.
(٣) (ت، ق، د): «الأمرين». وسيأتي على الصواب.
(٤) (ت): «الجانبين».