للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [آل عمران: ١٤٧].

وبهذا التمهيد يعرف أن قول القائل: ما مفهوم قول الصديق: "ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا"، والدعاء بين يدي اللَّه لا يحتمل المجاز، والصديق من أئمة السابقين، والرسول أمره بذلك؛ كانه نازله بشبهة؟ حيث قال: هو أجلُّ قدرًا من أن يكون له ظلم كثير، فإن ذلك ينافي مرتبة الصديقية! كلام من لا يمعن النظر، ولا يوفي لكل مقام حقَّه.

وحاصل الجواب عن ذلك، من وجهين:

أحدهما: أن الصديق -رضي اللَّه عنه- كملت مرتبته في نهايته لا بدايته، وإنما نال ذلك بفعل ما أمر اللَّه به من الأعمال الصالحة، وأفضلها التوبة، وما وجد قبل التوبة؛ فإنه لم ينقص صاحبه، ولا يتصور أن بشرًا يستغني عن التوبة؛ كما في "الصحيح": "أيها الناس! توبوا إلى اللَّه، فإني أتوب إلى اللَّه في اليوم أكثر من سبعين مرة، وإنه ليغان على قلبي، فأستغفر اللَّه في اليوم مئة مرة" (١)؛ وكذلك قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اغفر لي خطئي، وجهلي، وعمدي، وكل ذلك عندي" (٢) فيه: من الاعتراف أعظم مما في دعاء الصديق.


(١) رواه مسلم (٢٧٠٢/ ٤١)، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: استحباب الاستغفار والاستكثار منه، عن الأغر المزني -رضي اللَّه عنه-، بلفظ: "إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر اللَّه في اليوم مئة مرة".
ثم روى مسلم عقبه (٢٧٠٢/ ٤٢) بإسناد آخر عن الأغر المزني -رضي اللَّه عنه- بلفظ: "يا أيها الناس! توبوا إلى اللَّه، فإني أتوب في اليوم إليه مئة مرة".
(٢) رواه البخاري (٦٠٣٥)، كتاب: الدعوات، باب: قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت"، ومسلم (٢٧١٩)، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، عن أبي موسى الأشعري -رضي اللَّه عنه-.

<<  <  ج: ص:  >  >>