للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومع ذلك فالعصر قد غلبت عليه الصوفية، ولقد سعى أربابها جاهدين في الإيقاع بشيخ الإسلام، ورأوا أنه أكبر عدو لهم، وأنه ما لم يتخلص منه، فلن تقوم لهم بعد اليوم قائمة، وقد تحقق لهم في إحدى المرات ما أرادوا، وأدخل الشيخ السجن بسببهم، فلبث فيه قدر سنتين (١).

والعالم الرباني كالغيث متى وقع بأرض نفع، وهكذا كان شيخ الإسلام، ولم يكن لتضعف عزيمته في السجن، أو نفل إرادته، ولم يكن ليتخلى عن دعوته حتى وهو بين المجرمين وغيرهم من أصناف المحبوسين.

يقول تلميذه ابن عبد الهادي رحمه الله: "ولما دخل الحبس وجد المحابيس مشتغلين بأنواع من اللعب، يلتهون بها عما هم فيه، كالشطرنج والنرد، ونحو ذلك من تضييع الصلوات، فأنكر الشيخ عليهم ذلك أشد الإنكار، وأمرهم بملازمة الصلاة، والتوجه إلى الله بالأعمال الصالحة، والتسبيح، والاستغفار، والدعاء، وعلمهم من السنّة ما يحتاجون إليه، ورغبهم في أعمال الخير، وحضهم على ذلك، حتى صار الحبس بما فيه من الاشتغال بالعلم والدين خيرًا من الزوايا والربط والخوانق والمدارس، وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إليه، حتى كان السجن يمتلئ منهم .. " (٢).

أما الروافض والنصيرية فقد ذهب شيخ الإسلام إلى عقر دارهم في جماعة من أصحابه، واستتابوا خلقًا منهم، وألزموهم بشرائع الإسلام.

وحين نكثوا ما التزموا به، خرج شيخ الإسلام مع جيش المسلمين بقيادة نائب السلطان لغزوهم وقتالهم، فأنزل الله النصر عليهم، ومنحهم أكتاف عدوهم، وأبادوا منهم خلقًا كثيرًا، وقاتل شيخ الإسلام في تلك الغزاة بنفسه (٣).


(١) البداية والنهاية (١٤/ ٤٧)، العقود الدرية (١٧٦).
(٢) العقود الدرية (١٧٨).
(٣) البداية والنهاية (١٤/ ٣٧)، وكانت الواقعة الأولى سنة (٧٠٤ هـ)، والواقعة الثانية سنة (٧٠٥ هـ).

<<  <   >  >>