للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وإذا عدم لم يدل عدمه على العدم، وهذا حقيقة قولك، وهو أيضًا خطأ عقلًا، كما هو خطأ شرعًا، وذلك أن هذا ليس بدليل قاطع، إذ هذا يظهر من المنافق [فإنه يبقى] (١) دليلًا في بعض الأمور المتعلقة بدار الدنيا، كدلالة اللفظ على المعنى، وهذا حقيقة قولك.

فيقال لك: فلا يكون ما يظهر من الأعمال لا (٢) ثمرة للإيمان الباطن، ولا موجبًا له، ولا (٣) من مقتضاه، وذلك أن المقتضي لهذا الظاهر إن كان هو نفس الإيمان الباطن لم يتوقف وجوده على غيره، فإن ما كان [معلولًا] (٤) للشيء وموجبًا له لا يتوقف على غيره، بل يلزم من وجوده وجوده، فلو كان الظاهر موجب الإيمان الباطن لوجب أن لا يتوقف على غيره، بل إذا وجد الموجَب وجد الموجِب.

[مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزمًا للإيمان النافع عند الله]

وأما إذا وجد معه تارة، وعدم أخرى، أمكن أن يكون من موجب ذلك الغير، وأمكن أن يكون موقوفًا عليهما جميعًا، فإن ذلك الغير إما مستقل بالإيمان، أو مشارك للإيمان، وأحسن أحواله أن يكون الظاهر موقوفًا عليهما معًا: على ذلك الغير، وعلى الإيمان، بل قد علم أنه يوجد بدون الإيمان، كما في أعمال المنافق، فحينئذٍ لا يكون العمل الظاهر مستلزمًا للإيمان، ولا لازمًا له، بل يوجد معه تارة، ومع نقيضه تارة، ولا يكون الإيمان علة له، ولا موجبًا، ولا مقتضًا، فيبطل حينئذٍ أن يكون دليلًا عليه، لأن الدليل لا بد أن يستلزم المدلول، وهذا هو الحق فإن مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزمًا للإيمان النافع عند الله. ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد لما قال له: هو مؤمن، قال: أو مسلم! (٥).

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ


(١) في نسخة الأصل: "فإنما ينبغي"، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب إلى الصواب.
(٢) كلمة "لا" ليست في (ط).
(٣) كلمة "لا" ليست في (م) و (ط).
(٤) في نسخة الأصل و (م): معلومًا، وأثبتنا ما في (ط) لأنه الصواب.
(٥) تقدم تخريج هذا الحديث، وهو في الصحيحين.

<<  <   >  >>