للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

سلطان المسلمين قال: "ولم يزل المبتدعون أهل الأهواء، وآكلوا الدنيا بالدين، تعاضدين متناصرين في عدوانه، باذلين وسعهم في الفتك به، متخرصين عليه بالكذب الصراح، مختلقين عليه، وناسبين إليه ما لم يقله ولم ينقله، ولم يوجد له به خط، ولا وجد له في تصنيف ولا فتوى، ولا سمع منه في مجلس .. " (١).

ثم يبين بجلاء سبب الخصومة من قبل هؤلاء العلماء فيقول: "وسبب عداوتهم له: أن مقصودهم الأكبر طلب الجاه والرئاسة، وإقبال الخلق، ورأوه قد رقاه الله إلى ذروة السنام من ذلك بما أوقع له في قلوب الخاصة والعامة من المواهب التي منحه بها، وهم عنها بمعزل، فنصبوا عداوته، وامتلأت قلوبهم بمحاسدته، وأرادوا ستر ذلك عن الناس، حتى يفطن بهم، فعمدوا إلى اختلاق الباطل والبهتان عليه، والوقوع يه، خصوصًا عند الأمراء والحكام، وإظهارهم الإنكار عليه بما يقي به من الحلال والحرام، فشققوا قلوب الطغام بما اجترحوه من زور الكلام .. " (٢).

ومن ذلك أنه زُوِّر على شيخ الإسلام مكتوب، زعم مزوره الكذوب أن شيخ الإسلام ومعه بعض أهل الفضل والعلم يكاتبون التتار، ولكن كشف الأمر، وظهر الحق، وقطعت يد الكاتب الأثيم (٣).

ويشير أحد تلامذة شيخ الإسلام -وهو الحافظ ابن كثير- إلى سبب عداوة الخصوم له بقوله: "وكان للشيخ تقي الدين بن تيمية جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له، ومحبتهم له، وكثرة أتباعه، وقيامه في الحق، وعلمه وعمله .. " (٤).

وكان بلوغ شيخ الإسلام الذروة في المكانة والشهرة إيذانًا بابتداء نزول المحنة، بل المحن المتعاقبة التي لم يكن يخرج من محنة إلّا ليواجه


(١) المصدر السابق (٣٤).
(٢) المصدر نفسه (٣٥).
(٣) البداية والنهاية (١٤/ ٢٣).
(٤) المصدر السابق (١٤/ ٣٩).

<<  <   >  >>