للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فانظر إلى بشاشة العاطفة الغامرة كيف صبغت الافاق بألوانها الزاهية، وانظر إلى حسرة الفقد كيف تخلّف سوادها الكابي على كل شيء!!.

هكذا كانت دار الهجرة، لقد أحبت الله وأحبت رسوله صلى الله عليه وسلم.

فكان هذا الحبّ المكين سرّ انتصارها الرائع للإسلام، ومبعث التضحية عن طيب نفس بكل مرتخص وغال.

وقوم يربطهم بقائدهم هذا الإعزاز الهائل، تندكّ أمام عزائمهم الأطواد الراسية.

[[أوصافه وبعض أخلاقه صلى الله عليه وسلم] :]

سأل الحسن بن علي هند بن أبي هالة عن أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فوصف له بدنه، فكان مما قال:.. يمشي هونا، ذريع المشية- واسع الخطو-، إذا مشى كأنّما ينحطّ من صبب- يهبط بقوة- وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جلّ نظره الملاحظة- أي لا يحدّق- يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام.

قلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، لا يتكلّم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه- لا بأطراف فمه- ويتكلّم بجوامع الكلم، فصلا لا فضول فيه ولا تقصير، دمثا، ليس بالجافي ولا المهين، يعظّم النعمة وإن دقّت، لا يذم شيئا، ولم يكن يذمّ ذواقا- ما يطعم- ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرّض للحقّ بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها- سماحة-، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجّب قلّبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التبسّم ويفترّ عن مثل حبّ الغمام.

وقال ابن أبي هالة يصف مخرجه- على الناس-: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا عمّا يعنيه، يؤلّف أصحابه ولا يفرّقهم، يكرم كريم كل قوم، ويولّيه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره.


- ٢٦٨؛ وقال الترمذي: «حديث صحيح» ، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم» ، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. ورواه الدارمي: ١/ ٤١، بنحوه، وسنده صحيح أيضا على شرط مسلم، وهو رواية للحاكم وأحمد: ٣/ ١٢٢.

<<  <   >  >>