للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الإرادة، أو وراء الحسبان ثم تستقر أخيرا وفق مقتضيات الحكمة العليا وفي حدود قوله تعالى: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] .

[في الطريق إلى المدينة:]

مرّت ثلاث ليال على مبيت الرسول عليه الصلاة والسلام في الغار، وخمد حماس المشركين في الطّلب، وتأهّب المهاجران لاستئناف رحلتهما الصعبة.

وجاء عبد الله بن أريقط في موعده، ومعه رواحله، قد أعلفها لاستقبال سفر بعيد، وتزوّد الركب، ثم سار على اسم الله.

غير أنّ قريشا ساءها أن تخفق في استرجاع محمد عليه الصلاة والسلام وصاحبه، فجعلت دية كلّ واحد منهما جائزة لمن يجيء بهما أحياء أو أمواتا؛ ومئتان أو مئة من الإبل في الصحراء ثروة تغري بركوب المخاطر وتحمّل المشاق.

وقد قدّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ المشركين لن يألوا جهدا في الإساءة إليه، فالتزم في سيره جانب المحاذرة، وأعانتهم مهارة الدليل على سلوك دروب لم تعتدها القوافل، ثم أطلق الزمام للرّواحل فمضت تصل النهار بالليل:

رمى بصدور العيس منخرق الصّبا ... فلم يدر خلق بعدها أين يمّما؟

فلما مرّوا بحيّ بني مدلج مصعدين، بصر بهم رجل من الحيّ، فقال: لقد رأيت انفا أسودة بالساحل، ما أظنّها إلا محمدا وأصحابه، ففطن إلى الأمر سراقة بن مالك، ورغب أن تكون الجائزة له خاصة، فقال: بل هم فلان وفلان قد خرجوا لحاجة لهم..

ومكث قليلا، ثم قام، فدخل خباءه، وقال لخادمه: اخرج بالفرس من وراء الخباء، وموعدك خلف الأكمة.

قال سراقة: فأخذت رمحي وخرجت من ظهر البيت، وأنا أخطّ بزجّه الأرض، حتى أتيت فرسي، فركبتها، فدفعتها ففرّت بي، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها! فقمت..

وامتطى سراقة فرسه مرة أخرى، وزجرها، فانطلقت حتى قرب من الرسول عليه الصلاة والسلام وصاحبه، وكان أبو بكر يكثر الالتفات يتبيّن هذا العدوّ الجسور، فلما دنا عرفه، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم- وكان ماضيا إلى غايته-: هذا

<<  <   >  >>