للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قلبه، وأعمى عين بصيرته، وأركسه بلبسه الأمر، وجعل التوحيد تشبيهًا، والتشبيه تعظيمًا وطاعة، فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر، والنفع، والعطاء، والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا أفضل من غيره تشبيهًا بمن له الأمر كله، ... فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات" (١).

ويقول أيضًا: "وإنما كان التمثيل والتشبيه في الأمم حيث شبهوا أوثانهم ومعبوديهم به في الإلهية، وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام، فأعرض عنه وعن بيان بطلانه أهل الكلام، وصرفوا العناية إلى إنكار تشبيهه بالخلق الذي لم تعرف أمة من الأمم عليه، وبالغوا فيه حتى نفوا به عنه صفات الكمال.

وهذا موضع مهم نافع جدًا، به يعرف الفرق بين ما نزَّه الرب سبحانه نفسه عنه وذم به المشركين المشبهين العادلين به خلقه، وبين ما ينفيه الجهمية المعطلة من صفات كماله، ويزعمون أن القرآن دل عليه وأريد به نفيه.

والقرآن مملوء من إبطال أن يكون في المخلوقات ما يشبه الرب تعالى، أو يماثله، فهذا هو الذي قصد بالقرآن إبطالًا لما عليه المشركون والمشبهون العادلون بالله تعالى غيره" (٢).

ثالثًا: أن تشبيه المخلوق بالخالق في شيء من خصائصه، أو وصف الخالق بصفات المخلوق يُعَدُّ كفرًا بواحًا وشركًا صراحًا لا نصيب


(١) الجواب الكافي لابن القيم (ص ٩٤ - ٩٥)، وانظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٩١).
(٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٨).