للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)} [الصافات: ٩١ - ٩٦].

قال ابن عطية: " {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) أي: تجعلون إلهًا معظمًا شيئًا صنعتموه من عود أو حجر، وعملتموه بأيديكم، أخبرهم بخبر لا يمكنهم إنكاره" (١).

فهذا إلزام لهم من الناحية العقلية، إذ من المستبعد أن يتوجه القلب والعقل لعبادة معبود صنعه عابده بيده، وكونه وشكله ببنانه.

يقول الإمام ابن تيمية في معنى الآيات: "فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي، وقبل إنكاره عليهم؛ ولهذا استفهم استفهام منكر فقال: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) أي: وخلق ما تنحتون، فكيف يجوز أن تعبدوا ما تصنعونه بأيديكم وتدعون رب العالمين.

فلولا أن حسن التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر، معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا؛ إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه، بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم، وإنما كان قبيحًا بالنهي، ومعنى قبحه كونه منهيًا عنه لا لمعنى فيه كما تقوله المجبرة" (٢).

وبين رحمه الله أيضًا وجهة الآية في بطلان الشرك وفساده عقلًا بقوله: "ثم نَبَّه عُبَّاد الأصنام بتعريفه لهم على فساد ما صاروا إلى عبادتها مع نحتها بقوله تعالى: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)} ثم قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)}: فبين لهم فساد عبادتها، ووجوب عبادته دونها؛


(١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٤/ ٤٧٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٨١ - ٦٨٢).