للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بعد تقطيعها وطحنها؟!

وكلَّما ازددتَ قوَّةً وحاجةً إلى الافتنان (١) في أكل المطاعم المختلفة زِيدَ لك في تلك الآلات (٢)، حتى تنتهي إلى النَّواجذ فتطيقَ نهشَ اللحم وقطعَ الخبز وكسرَ الصُّلب، ثمَّ إذا ازددتَ قوَّةً زِيدَ لك فيها حتى تنتهي إلى الطَّواحين (٣) التي هي آخرُ الأضراس؛ فمن الذي ساعدك بهذه الآلات وأنجدَك بها ومكَّنك (٤) بها من ضروب الغذاء؟!

ثمَّ إنه اقتضت حكمتُه أن أخرجك من بطن أمِّك لا تعلمُ شيئًا، بل غبيًّا لا عقلَ ولا فهمَ ولا عِلم، وذلك مِنْ رحمته بك؛ فإنك على ضعفك لا تحتملُ العقلَ والفهمَ والمعرفة، بل كنت تتمزَّقُ وتتصدَّع، بل جَعَل ذلك ينشأُ فيك (٥) بالتَّدريج شيئًا فشيئًا، فلا يصادفُك ذلك وَهلةً واحدة، بل يصادفُك يسيرًا يسيرًا حتى يتكامل فيك.

واعتَبِر ذلك بأنَّ الطفل إذا سُبِيَ صغيرًا من بلده ومن بين أبويه ولا عقلَ له فإنه لا يؤلمُه ذلك (٦)، وكلَّما كان أقربَ إلى العقل كان أشقَّ عليه وأصعب، حتى إذا كان محتنِكًا (٧) عاقلًا فلا تراه إلا كالوالِه الحيران.


(١) مهملة في (د). (ح، ت، ن): «الأسنان».
(٢) (ت، ق، د): «الآلة».
(٣) (ق): «زيد لك الطواحين».
(٤) (ق، د، ت): «ومكن لك».
(٥) (ح، ن): «ينتقل فيك».
(٦) (ت): «يهيله ذلك». وكذا رسمها في (د، ق) دون إعجام.
(٧) المحتنك: الذي تمَّ عقله وسنُّه. وليست في (ح، ن).