للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

الأحاديث، وقال: كيف يكون العلم يرفع في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأيامه هي الأيام السعدية التي لا أمثال لها، والوحي قائمًا كان ينزل عليه فيها، فمحال أن يكون العلم الذي ينزل فيها ويبقى في أيدي الناس ليبلغه بعضهم بعضًا إلى يوم القيامة كما أمروا به، فيكون ذلك مرفوعًا في تلك الأيام، لأن ذلك لو كان كذلك انقطع التبليغ، وبقي الناس في أيام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلا علم، وكانوا بعده في خروجهم عنه أغلظ، وهذا يستحيل، لأن العلم إنما علم بأخذ خلف عن سلف، إلى يوم القيامة.

فكان جوابنا له في ذلك: أن هذا الحديث من أحسن الأحاديث وأصحها، وأن الذي فيه من نظر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى السماء ومن قوله عند ذلك: «هذا أوان يرفع فيه العلم» إنما هو إشارة منه إلى وقت يرفع فيه العلم، ويجوز أن يكون هذا وقت يكون بعده; لأن هذا إنما هو كلمة يشار بها إلى الأشياء، من ذلك قوله تعالى: {هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (١) ليس يومكم فيه يوم أنزل ذلك على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ} (٢) ليس على شيء من يوم قيل له ذلك، في أمثال لهذا كثيرة في القرآن، فمثل ذلك ما في حديث عوف، قد يحتمل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما نظر إلى السماء أُرِيَ فيها الزمان الذي يرفع فيه العلم، فقال ما قال من أجل ذلك.

ومما يدخل على ما ذكرنا من هذا، احتجاجه عليه الصلاة والسلام بضلالة اليهود والنصارى، وعند اليهود منهم التوراة، وعند النصارى منهم الإنجيل، ولم يمنعاهم من الضلالة، وإنما كان ذلك بعد ذهاب أنبيائهم صلوات الله وسلامه عليهم، لا في أيامهم، فكذلك ما تواعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم به أمته في حديث عوف


(١) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٣.
(٢) سورة ق، الآية: ٣٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>