للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

{تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} ١، {يا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} ٢.

وأمثال هذه الأدلة في الكتاب والسنة كثير تدل على أن الله -تعالى- فوق عرشه، وأنه ليس في الجهات، وأدلة علو الرب -تبارك وتعالى- على عرشه كثيرة في الكتاب والسنة.

وأما أهل البدع من الجهمية، ومن سلك سبيلهم، فيقولون: إنه -تعالى- حال في كل شيء، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، لكنهم لم يقولوا بقول أهل الاتحاد: إن الذي هو حال فيه هو عينه، بل يقولون: إنه غيره، وأما أهل الوحدة فيقولون: إنه الوجود بعينه، وهو قول هذا الرجل، كما يدل عليه بقية كلامه.

وأما الأشاعرة فأخلوه -تعالى- من جميع الجهات، ولم يثبتوا علوه على خلقه، واستواءه على عرشه ٣ فخالفوا السلف، وأهل السنة، ولم يؤمنوا بما في كتاب الله، ولا


١ سورة المعارج آية: ٤.
٢ سورة آل عمران آية: ٥٥.
٣ لم يثبتوه كما أثبته السلف بمعناه العربي من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تأويل، بل أولوه بما ينافي ما أرادوه من التنزيه، فقالوا: استولى على العرش. فيقال لهم: إن كان استيلاؤه عليه كاستيلاء بشر على العراق ونحوه، فهذا عين التشبيه الذي تفرون منه، وان كان استيلاء يليق به لا كاستيلاء الملوك وغيرهم على البلاد، فلم لا تقولون هذا في اللفظ الوارد في كتاب الله، كما قال السلف، والحال أن لفظكم يرد عليه من الاعتراض ما لا يرد على لفظ كتاب الله، وذلك من وجهين: "أحدهما": أنه لا يقال: إن فلانا الملك، أو القائد استولى على بلد كذا إلا إذا انتزعه من خصم له كان مستوليًا عليه قلبه، "ثانيهما": أن عطف الاستواء على خلق السموات والأرض بثُمّ يفيد أن الاستيلاء على العرش حصل بعد خلق السموات والأرض، والحق أنه كان مستوليًا عليه ومالكا له قبل ذلك، أي منذ خلقه، وهذا لا يرد على نص التنزيل على طريقة السلف كما هو ظاهر، ولا على طريقتكم في التأويل؛ لأن الاستواء في اللغة يدل على معنيين: العلو والتدبير الذي ورد في آية: {استوى على العرش يدبر الأمر}، فإنه لا محذور في العطف بثم على هذين المعنيين. إذ حاصلة أنه -تعالى- لما خلق السموات والأرض، وتحقق بذلك متعلق صفة الملك، تحقق بعده كل من علوه -سبحانه- على مجموع هذا الملك وتدبيره له، وهو معنى استوائه على العرش، فإن رتبة العلو على الملك وتدبيره مرتبة على خلقه وإيجاده، وإنما التراخي بثم هنا في الرتبة لا في الزمن. وكتبه محمد رشيد رضا.

<<  <  ج: ص:  >  >>