للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال في "الفتح": قال الخطّابي (١) وغيرُه: كانت الهجرةُ فرضًا في أوّل الإسلام على مَنْ أسلمَ؛ لقلّةِ المسلمين، وحاجتِهم إلى الدفاع، فلمّا فتح اللَّه مكّة، ودخل النّاسُ في دين اللَّه أفواجًا، سقط فرضُ الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد، انتهى (٢).

وكان من الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على مَنْ أسلمَ: أن يسلم من الأذى من أعداء الدّين، وما يلقاه من المشركين؛ فإنّهم كانوا يعذّبون المسلمين، ويؤذون المستوطنين؛ ليرجعوا عن الدّين المتين، إلى الشّرك وعبادةِ الأوثان والشّياطين.

ولكن عليكم جهادٌ في سبيل اللَّه؛ لإعلاء كلمة اللَّه، وقتالِ الكفّار من عبدة الأوثان والأحجار، ونيّة صالحة في الخير تحصّلون بهما الفضائل التي في معنى الهجرة التي كانت مفروضة؛ لمفارقة الفريق الباطل، فلا يكثر سوادهم، ولا يعانون على مرادهم.

قال أبو عبد اللَّه الأُبِّي: اختُلف في أصول الفقه في مثل هذا التّركيب يعني: قوله: لا هجرة بعد الفتح (ولكن جهادٌ ونيّة)، هل هو لنفي الحقيقة، أو لنفي صفةٍ من صفاتها؛ كالوجوب وغيره؟

فإن كان لنفي الوجوب، فهو يدلّ على وجوب الجهاد على الأعيان؛ لأنّ المستدرك هو المنفي، والمنفي وجوبُ الهجرة على الأعيان، فيكون المستدركُ وجوبَ الجهاد على الأعيان.

وإن كان المنفي في هذا التركيب الحقيقة، فالمعنى: أنّ الهجرة بعدَ


(١) انظر: "معالم السنن" للخطابي (٢/ ٢٣٥).
(٢) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (٦/ ٣٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>