للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[٢ أ] أمّا (١) المسألة الأولى

وهي هل تَعرفُ الأمواتُ بزيارةِ الأحياء

وسلامِهم عليهم أم لا؟

فقال ابنُ عبد البَرِّ: ثبت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من مسلمٍ (٢) يمرُّ بقبر أخيه، كان يعرفه في الدنيا، فيُسلِّمُ عليه إلا ردَّ اللهُ عليه روحَه حتى يردَّ عليه السلام" (٣).


(١) "أما" لم ترد في (ط، ز). ومن "أما" إلى "ابن عبد البر" لم يرد في (ج). وفي (ط) بعد المسألة الأولى: "معرفة الميت بزيارة الحي ودعائه له وسلامه عليه. ثبت ... ".
(٢) سيأتي الحديث بلفظ: "ما من رجل". وكذا في المصادر المذكورة في الحاشية الآتية. وفي بعضها: "ما من أحد".
(٣) وهو حديث ابن عباس. وسيأتي مرة أخرى في هذا الباب. وهنا تنبيهات:
الأولى: "قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... " كذا في بدائع الفوائد (٦٦٢) وتهذيب السنن (١٩٣٠).

الثانية: في مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٣١): "قال ابن المبارك: ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ". والظاهر أن "ابن المبارك" تحريف "ابن عبد البر". وقد ذكر شيخ الإسلام تصحيح ابن عبد البر للحديث في الفتاوى (٤/ ٢٩٥) وغيره. وصححه هو أيضًا في (٢٤/ ١٧٣). واستدلّ به في أكثر من عشرة مواضع من كتبه. انظر مثلًا: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٧٨) ومجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٠٣، ٣٦٣).
الثالثة: في فيض القدير (٥/ ٦٢٢) أن الحافظ العراقي أفاد أن ابن عبد البر خرّجه في التمهيد والاستذكار بإسناد صحيح من حديث ابن عباس. وعزاه القرطبي في التذكرة (٤١٠) والسيوطي في شرح الصدور (٢٧٣) والصنعاني في بشرى الكئيب (١٦٦) أيضًا إلى التمهيد والاستذكار.
= ... قلت: لم أجد الحديث في كتاب التمهيد المطبوع. وهو في الاستذكار (١/ ٢٣٤)، ولكن لم أر فيه تصحيح ابن عبد البر للحديث.
الرابعة: قال ابن رجب في أهوال القبور (٨٢): "خرّجه ابن عبد البر. وقال عبد الحق الإشبيلي: إسناده صحيح. يشير إلى أنّ رواته كلهم ثقات. وهو كذلك إلا أنه غريب، بل منكر". وتصحيح عبد الحق للحديث في أحكامه الصغرى (١/ ٨٠) والوسطى (٢/ ١٥٢). (الإصلاحي).
الخامسة: الظاهر أن ابن رجب رحمه الله عنى بثقة رواته الربيع بن سليمان فمن فوقه، وأما شيخ ابن عبد البر، فله ترجمة في جذوة المقتبس (ص ٢٧٧) للحميدي وقال: "عبيد بن محمد أبو عبد الله كان رجلًا صالحًا يضرب به المثل في الزهد، سكن قرطبة".
وأما شيخته المملية فاطمة بنت الريان فلم أجد لها ذكرًا في كتب التراجم المتوفرة، والظاهر أنها لم تكن بتلك الحافظة فقد خالفها في إسناده جمعٌ من أصحاب الربيع بن سليمان المراديّ حيث رووه عنه، عن بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فرفعه.
أخرجه تمام في فوائده (١٣٩) عن الحسن بن حبيب، وأبي علي أحمد بن محمد بن فضالة الحمصي.
وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ١٣٧) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن عمران الكرماني، وأبي العباس محمد بن يعقوب الأصم. فرَّقهما.
أربعتهم عن الربيع بن سليمان به.
وأخرجه ابن جُميع الصيداوي في معجم شيوخه (٣٣٣) عن عيسى بن موسى البلدي، عن الربيع بن سليمان به. إلا أنه سقط من إسناده عطاء بن يسار، فلا أدري أحصل ذلك سهوًا أو هو لون آخر من الاختلاف؟ والأقرب الثاني، فقد رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٩٠) من طريق الصيداوي بإسناده سواء، ثم قا ل: "غريب، ومع ضعفه ففيه انقطاع، ما علمنا زيدًا سمع أبا هريرة".
ومن طريق الخطيب أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١٥٢٣) من طريق أبي العباس الأصم. وحده به. وقال عقبه: "هذا حديث لا يصح وقد أجمعوا على= تضعيف عبد الرحمن بن زيد، قال ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف، فاستحقّ الترك" اهـ.
وقال ابن رجب: "عبد الرحمن بن زيد فيه ضعف، وقد خولف في إسناده".
قلت: يشير إلى ما أخرجه ابن أبي الدنيا في القبور ــ كما عند المصنف، وليس في المطبوع منه ــ عن محمد بن قدامة الجوهريّ، عن معن بن عيسى القزاز، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة موقوفًا. وإسناده ضعيف جدًّا علته محمد بن قدامة الجوهري البغدادي، قال ابن معين: "ليس بشيء"، وقال أبو داود: "ضعيف لم أكتب عنه شيئًا قط" (انظر: الميزان ٤/ ١٥).
والحاصل أن الحديث لا يثبت مرفوعًا ولا موقوفًا، بل هو منكر كما قاله ابن رجب رحمه الله. وقد أورده الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٤٩٣) (قالمي).