للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، كأن على رؤسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء،

ــ

يقال الحد الميت ولحده أي دفنه وألحد اللحد ولحده أي حفره وألحد للميت ولحد له حفر له لحداً، ولما بمعنى لم، وفيه توقع، فدل على نفي اللحد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل، والجملة حال أي وصلنا إلى القبر حال كون الميت لم يحفر اللحد له بعد (فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) في انتظار أن يحفر اللحد (وجلسنا حوله كأن) بتشديد النون. وفي رواية: وكأن (على رؤسنا الطير) بالنصب على أنه اسم كأن، وهذا كناية عن غاية السكون أي لا يتحرك منا أحد ولا يتكلم توقيراً لمجلسه - صلى الله عليه وسلم -، والمعنى جلسنا ساكنين متأدبين في حضرته متواضعين بحيث يكاد يقعد الطير على رؤسنا والطير لا يكاد يقعد إلا على شيء لا تحرك له وكانوا رضي الله عنهم يراعون أوقاته فأحياناً يتكلمون عنده ويضحكون وأحياناً يتأدبون ولا يتحركون. قال الجزري: وصفهم بالسكون والوقار وأنهم لم يكن فيهم طيش ولا خفة؛ لأن الطير لا تكاد تقع إلا على شيء ساكن (وفي يده عود ينكت) بضم الكاف (به في الأرض) أي يؤثر بطرف العود الأرض فعل المتفكر المهموم، ذكره الطيبي. يقال: نكت الأرض بقضيب أي ضربها به حال التفكر فأثر فيها، ويسمى المعنى الدقيق الذي أخرج بدقة نظر وإمعان فكر نكتة؛ لأن من عادة المتفكر أن ينكت (مرتين أو ثلاثاً) ظرف لقال وأو للشك من الراوي (في انقطاع من الدنيا) أي إدبار منها (وإقبال من الآخرة) أي اتصال بها (كأن وجوههم الشمس) أي وجه كل واحد منهم كالشمس (وحنوط) بفتح الحاء. قال الطيبي: الحنوط ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسادهم (حتى يجلسوا منه مد البصر) أي قريبا منه (الطيبة) وفي رواية الحاكم وابن منده: المطمئنة (اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان) أي ليس أمامك إلا المغفرة والرضوان، وفيه بشارة دفع العذاب وكمال الثواب (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (فتخرج) أي روحه (تسيل) حال (كما تسيل القطرة) أي كسيلان القطرة في السهولة (من السقاء) بكسر السين أي القربة وفي المسند: من في السقاء، والمقصود بيان أن الروح تخرج من البدن بسهولة. قال القاري: لا منافاة بين اضطراب

<<  <  ج: ص:  >  >>