للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

[(١٣) باب الإحصار، وفوت الحج]

ــ

(باب الإحصار) هو في اللغة المنع والحبس مطلقًا، وفي الشرع المنع عن الوقوف والطواف، فإن قدر على أحدهما فليس بمحصر (وفوت الحج) بأن يكون محرمًا ولم يدرك مكان الوقوف وهو عرفة في زمانه، وهو من بعد الزوال إلى طلوع فجر يوم النحر ولو ساعة، قاله القاري. وقال العيني: الإحصار المنع والحبس عن الوجه الذي يقصده، يقال أحصره المرض أو السلطان إذا منعه عن مقصده فهو محصر، والحصر الحبس، يقال حصره إذا حبسه فهو محصور. وقال القاضي إسماعيل: الظاهر أن الإحصار بالمرض والحصر بالعدو ومنه ((فلما حصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)) وقال تعالى: {فإن أحصرتم} وقال الكسائي: يقال من العدو حصر فهو محصور، ومن المرض أحصر فهو محصر، وحكى عن الفراء أنه أجاز كل واحد منهما مكان الآخر، وأنكره المبرد والزجاج وقالا: هما مختلفان في المعنى، ولا يقال في المرض ((حصره)) ولا في العدو ((أحصره)) – انتهى. وقال صاحب فيض الباري: اعلم أن الإحصار عندنا (الحنفية) وعند جماعة من السلف وأهل اللغة عام للمريض والعدو كما نقل عن الفراء أيضًا، وعند الشافعية يختص بالعدو، وادعى بعض من الحنفية أن المحصر لا يقال إلا في المرض، أما في العدو فيقال له محصور لا محصر، قلت: وليس بجيد فإن الآية حينئذ تقتصر على المرض مع أنها نزلت في العدو بالاتفاق، فإنها نزلت في قصة الحديبية ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها مريضًا، وها هنا دقيقة وهي أن اللفظ قد يشتهر في نوع من الجنس ثم يرد استعماله في نوع آخر من ذلك الجنس أو في الجنس بعينه فيجعله الناس مقابلاً كالإحصار فإنه عام للمرض والعدو إلا أنه اشتهر الإحصار في المرض والحصر في العدو حتى ذهبت أوهام العامة أنهما متقابلان فجعلوا الإحصار مختصًا بالمرض والحصر بالعدو وليس كذلك، وإنما أخذ القرآن في النظم اللفظ العام لئلا يختص الحكم بالعدو ويعم المرض والعدو كليهما – انتهى، وقال الآلوسي في تفسيره (ج ٢: ص ٨٠) : الإحصار والحصر كلاهما في أصل اللغة بمعنى مطلقًا، وليس الحصر مختصًا بما يكون من العدو والإحصار بما يكون من المرض ونحوه كما توهم الزجاج من كثرة استعمالها كذلك فإنه قد يشيع استعمال اللفظ الموضوع للمعنى العام في بعض أفراده، والدليل على ذلك أنه يقال حصره العدو وأحصره كصده وأصده، فلو كانت النسبة إلى العدو معتبرة في مفهوم الحصر لكان التصريح بالإسناد إليه تكرارًا، ولو كانت النسبة إلى المرض ونحوه معتبرة في مفهوم الإحصار لكان إسناده إلى العدو مجازًا وكلاهما خلاف الأصل، والمراد من الإحصار هنا حصر العدو عند مالك والشافعي لقوله تعالى: {فإذا أمنتم} فإن الأمن لغة في مقابلة الخوف ولنزوله عام الحديبية، ولقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو. فقيد إطلاق الآية وهو أعلم بموقع التنزيل، وذهب أبو حنيفة إلى أن المراد به ما يعم كل منع من عدو ومرض وغيرهما لحديث الحجاج بن عمرو (الآتي في الفصل الثاني) ولما روى الطحاوي من حديث عبد الرحمن

<<  <  ج: ص:  >  >>