للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قال الحافظ ابن حجر: لا يدل ذلك لأحد الفريقين إن كان المراد المداومة على إحدى الصفتين، والحق أنّ ملازمة استعمال الطيبات يفضي إلى الترفه والبطر، ولا يأمن الوقوع في الشبهات؛ لأن من اعتاد ذلك، قد لا يجده أحيانًا، فلا يستطيع الانتقال عنه، فيقع في المحذور، كما أن منع تناول ذلك أحيانًا يفضي إلى التنطع المنهيِّ عنه، ويردُّ عليه صريح قوله -تعالى-: {{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)} [الأعراف: ٣٢]، كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلًا، وترك التنفل يفضي إلى انتشار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة، فخيرُ الأمور الوسط.

وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأخشاكم" مع ما انضم إليه إشارةٌ إلى العبادة، وفيه -أيضًا-: إشارة إلى أن العلّمَ بالله، ومعرفةَ ما يجب من حقّه أعظمُ قدرًا من مجرد العبادة البدنية، انتهى (١).

قلتُ: قال علماؤنا، منهم صاحب "الإقناع" في "إقناعه" (٢)، و"الغاية" (٣)، وغيرهما: من أذهب طيّباته في حياته الدنيا، واستمتع بها، نقصت درجاته في الآخرة، ودليل ما ذكروه ما روى البيهقي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -، قال: لقيَني عمرُ بنُ الخطاب - رضي الله عنه - وقد ابتعتُ لحمًا بدرهم، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلتُ: قَرِم أهلي، فابتعت لهم لحمًا بدرهم، فجعل عمر يردد: قرِم أهلي، حتى تمنيت أنّ الدرهم


(١) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (٩/ ١٠٦).
(٢) انظر: "الإقناع" للحجاوي (٣/ ٤١٢).
(٣) انظر: "غاية المنتهى" للشيخ مرعي (٥/ ٢٥٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>