للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

" العين حَقٌّ "

قول يعقوب ـ - عليه السلام - ـ: {يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} في سبب أمره لهم بالتَّفرُّق أقوال، ولعلَّ أظهرها أنَّه خاف عليهم من إصابة العين إنْ دخلوا مجتمعين، وفي هذه الآية أنَّ العينَ حقٌّ، وأنَّ الحذرَ لا يردُّ القدرَ، ومع ذلك لا بدَّ من مراعاة الأسباب.

ومن هنا فلا بأس بتخوُّف المؤمن من الحسد وإصابة العين، وأخذ أسباب السَّلامة والنَّجاة منهما مع اليقين أنَّ ذلك لا يدفع قدر الله تعالى.

والعين كما قال ابن حجر: " نظرٌ باستحسان مشوبٌ بِحَسَدٍ من خبيث الطَّبع يحصل للمنظور منه ضررٌ" (١). قلت: والعين إنَّما يقع ضَرَرُها عند نظر العائِن بإذن الله وقدره، لا بفعل العائِن.

والعين وإصابتها وتأثيرها حقٌ بأمر الله تعالى، فعن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ عن النَّبِيِّ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، قال: " العَيْنُ حَقٌّ" (٢) أي الإصابة بالعين شيء ثابت لا مرية فيه.

والحاسد له تأثير في أذى المحسود دون ريب، قال تعالى للنَّبِيِّ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ... (٥١)} [القلم]، وقال تعالى {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)} [الفلق] فبيَّن الله تعالى أنَّ للحاسد شرّاً، وأرشد إلى استدفاعه باللّجوء إليه سبحانه.

بل إنَّ النَّبيَّ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، قال " أكثر مَنْ يَمُوتُ مِنْ أمَّتي بعد كتابِ الله و قضائِه وقدرِه بالأنْفُس" (٣) يعني بالعين.


(١) ابن حجر " فتح الباري " (ج ١٠ / ص ١٦٣) كتاب الطِّب.
(٢) البخاري " صحيح البخاري " (م ٤ / ج ٧ / ص ٢٤) كتاب الطِّب.
(٣) أخرجه الطيالسي بإسناد حسن عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه في " مسند أبي داود الطيالسي " (ص ٢٤٢/رقم ١٧٦٠) والحديث أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "= = (ج ٥/ص ١٠٦) وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصَّحيح خلا طالب بن حبيب بن عمرو، وهو ثقة. وقال الحافظ في " فتح الباري " (ج ١٠/ص ٦٧): أخرجه البزار بسند حسن. وهو في" سلسلة الأحاديث الصحيحة " للألباني (م ٢/ص ٣٨٤/ رقم ٧٤٧).

<<  <   >  >>