للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

خضر

ــ

طائر، ويطلق على الوحد (خضر) بضم فسكون جمع أخضر أي تدخل في أجواف طير وأبدانها، ففي رواية للطبراني: أن أرواح المؤمنين في أجواف طير خضر، ذكرها الهيثمي، وليس ذلك حبساً للأرواح وتسجناً لجواز أن يقدر الله تعالى في تلك الأجواف من السرور والنعيم ما تجده في الفضاء الواسع يعني أنها تجد فيها من النعيم ما لا يوجد في الفضاء أو تكون الطيور وأجوافها بمنزلة المراكب للأرواح ترتع وتسرح بها في الجنة وتتنعم أو تكون الطيور للأرواح كالهوادج للجالسين فيها والله اعلم. وقيل: المعنى أن الأرواح تجعل في صور طير أي أن الروح نفسها تتشكل وتتمثل بأمر الله طائرا كتمثل الملك بشراً. قال السيوطي في حاشية أبي داود: إذا فسرنا الحديث أن الروح يتشكل طيراً فالأشبه أن ذلك في القدرة على الطيران فقط لا في صورة الخلقة، لأن شكل الإنسان أفضل الأشكال- انتهى. قال السندي: هذا إذا كان الروح الإنساني له شكل في نفسه ويكون على شكل الإنسان وأما إذا كان لا شكل له، بل يكون مجرداً أو أراد الله تعالى أن يتشكل ذلك المجرد لحكمة ما فلا يبعد أن يتشكل من أول الأمر على شكل الطائر- انتهى. قلت: اختلف ألفاظ الرواية في أن الروح والنسمة تكون طيراً أو تكون في جوف طير كما اختلفت في أن هذه الكرامة للشهداء خاصة أو لجميع المؤمنين شهداء كانوا أم غير الشهداء، وقد تقدم شيء من الكلام على الاختلاف الثاني. وأما الاختلاف الأول فرجح القرطبي وابن عبد البر والقاضي عياض رواية من روى أن الروح والنسمة طير أو كطير أو في صورة طير، وأنكروا رواية في أجواف طير وبحواصل طير، لأنها حينئذ تكون محصورة مضيقاً عليها. ورد بأن رواية في أجواف طير في صحيح مسلم فلا يمكن إنكارها والتأويل محتمل كما تقدم. وذهب آخرون إلى الجمع والتوفيق. قال ابن القيم في كتاب الروح (ص١٥٧) : إن الله سبحانه جعل أرواح الشهداء في أجواف طير خضر فإنهم لما بذلوا أنفسهم لله حتى أتلفها أعداءه فيه أعاضهم منها في البرزخ أبداناً خيراً منها تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من نعيم الأرواح المجردة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير أو كطير ونسمة الشهيد في جوف طير. وتأمل لفظ الحديثين، فإنه قال (أي في حديث كعب الآتي) نسمة المؤمن طير، فهذا يعم الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال هي في جوف طير، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير-انتهى. قال ابن كثير في هذا الحديث: إن روح المؤمن على شكل طير في الجنة، وأما أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، كما رواه أحمد عن ابن عباس مرفوعاً، فهي كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها فهو بشرى لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة أيضاً وتسرح فيها وتأكل من ثمارها، كذا في شرح الموطأ للزرقاني. ومال القاري إلى الجمع بوجه

<<  <  ج: ص:  >  >>