للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وفي رواية: قال: ((إنما أنا بشر مثلكم،

ــ

يشكل على الحنفية إلا بعد إثبات أنه عليه الصلاة والسلام لم يجلس على الرابعة وهو لم يثبت بعد، بل هو محتمل، ولا يحتاج الحنفية إلى إثبات القعدة، كما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا إن القعدة فرض فلا يترك إلا بنص يخالفه لا بمحتمل. وفيه: أنه لم يقم دليل يثبت به كون القعدة الأخيرة فرضاً بالمعنى المصطلح عندهم. ولا بد لمن يدعي قعوده - صلى الله عليه وسلم - على الرابعة أن يأتي بدليل يدل صراحة على ذلك. ولا يكفي الاحتمال في مثل هذا. والحديث ليس بظاهر في ثبوت القعود، بل هو ظاهر في نفيه، كما يرشد السياق إليه. بل ذكر الشيخ محمد أنور الحنفي تصريح نفي الجلوس عقب الرابعة عن معجم الطبراني حيث قال: وفي المعجم للطبراني نفي القعدة على الرابعة صراحة، فأشكل الأمر علينا، ولا بد له من جواب - انتهى. (فيض الباري ج٢: ص٣٣٩) قال جامعه: ولم أسمع منه-يعني من شيخه محمد نور- جوابه، ولا اتفق لي السؤال عنه. والله تعالى يدري ما كان جوابه عنده. ولا ريب أن الأمر أمر - انتهى. قلت: لا شك أن الحديث مشكل جداً على الحنفية ولم أر لهم جواباً عنه إلا ادعاء القعود على الرابعة من غير دليل مع كونه مخالفاً لما في الطبراني من نفي القعدة صراحة على ما قال صاحب فيض الباري. ولو صرفنا النظر عن ذلك، وسلمنا أنه قعد في الرابعة أشكل عليهم أيضاً؛ لأنه لم يضم السادسة، بل اكتفى بسجدتي السهو. وضم الركعة السادسة مؤكد، بل واجب عندهم. وأما قول العيني: لا يضرنا ذلك؛ لأنا لا نلزمه بضم الركعة السادسة على طريق الوجوب حتى قال صاحب الهداية: ولو لم يضم لا شيء عليه؛ لأنه مظنون. وقال صاحب البدائع: والأولى أن يضيف إليها ركعة أخرى ليصيرا نفلاً إلا في العصر. ففيه: أن هذا مخالف لقولهم: لا بد من أن يضم سادسة؛ لأن الركعة الواحدة لا تجزيه لنهيه عليه السلام عن البتيراء، فإنه ظاهر في وجوب ضم السادسة في هذه الصورة- واعلم أن حديث النهي عن البتيراء أخرجه ابن عبد البر في التمهيد بسنده من رواية أبي سعيد الخدري بلفظ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البتيراء أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها، ذكره عبد الحق في أحكامه، وقال الغالب على حديث عثمان بن محمد بن ربيعة - أحد رواة هذا الحديث - الوهم. وقال ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام بعد ذكره من جهة ابن عبد البر: الحديث شاذ، لا يعرج عليه ما لم يعرف عدالة راويه. وعثمان بن محمد بن ربيعة الغالب على حديثه الوهم - انتهى. وقال ابن حزم: لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهي عن البتيراء - انتهى. وهو أيضاً معارض بما ثبت. وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الإيتار بركعته قولاً وفعلاً. (وفي رواية قال) أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد سلامه من سجدتي السهو. (إنما أنا بشر مثلكم) أي في جميع الأمور البشرية إلا أنه يوحى إليّ. قال الشوكاني: هذا حصر له في البشرية باعتبار من أنكر ثبوت ذلك. ونازع فيه عناداً وجحوداً، وأما باعتبار غير ذلك مما هو فيه فلا ينحصر في وصف البشرية، إذ له صفات أخر ككونه جسماً حياً متحركاً، فيها

<<  <  ج: ص:  >  >>