للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

..............................................................................................

ــ

الإشعار لا شك أنه مخالف للأحاديث الصحيحة ومنابذ للسنة، واضطربت الحنفية في الجواب عنها فقال بعضهم: إنما أنكر أبو حنيفة الإشعار لأنه يجهد البدنة، وفيه ما لا يخفى من أذية الحيوان وتعذيبه وقد نهى عن ذلك ورأى أنه من المثلة وهو منهي عنه. وعند التعارض الترجيح للمحرم، قالوا: وقد روي عن ابن عباس التخيير فيه والرخصة، وعن عائشة تركه، فرجح أبو حنيفة الترك لأنه جهة المثلة وهي حرام، وترك الندب أولى من اقتحام التحريم. وأجاب الخطابي عن ذلك بأن المثلة إنما هو أن يقطع عضو من البهيمة يراد به التعذيب أو تبان قطعة منها للأكل كما كانوا يفعلون ذلك من قطعهم أسنمة الإبل وأليات الشاه يبينونها والبهيمة حية فتعذب بذلك، وإنما سبيل الإشعار سبيل ما أبيح من الكي والتبزيغ والتوديج في البهائم، وسبيل الختان والفصاد والحجامة في الآدميين، وإذا جاز الكي واللدغ بالميسم ليعرف بذلك ملك صاحبه جاز الإشعار ليعلم أنه بدنة نسك وتصان فلا يعرض لها حتى تبلغ المحل – انتهى. قال الشوكاني بعد ذكره. على أنه لو كان من المثلة لكان ما فيه من الأحاديث مخصصًا له من عموم النهي عنها. وقال ابن حجر في شرح مناسك النووي: وإنما لم يكن الإشعار منهيًا عنه، لأن أخبار النهى عن المثلة عامة وأخباره خاصة فقدمت. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في حاشية الهداية: مذهب الإمام ها هنا وقع مخالفًا للأحاديث المروية في باب الطعن والإشعار، رواها مسلم والبخاري ومالك وغيرهم. وما ذكروه من التعارض بين أحاديث الإشعار وبين النهي عن المثلة فغير صحيح لوجهين أحدهما أن التعارض إنما يكون عند الجهل بالتاريخ، ومعلوم أن إشعاره كان في حجة الوداع، والنهي عن المثلة كان في غزوة خيبر كما هو مصرح في بعض الروايات فأنى التعارض، بل يكون عمل الإشعار متأخرًا فليعمل به، وثانيهما وهو أقواهما أن الإشعار ليس بمثلة إذ ليس كل جرح مثلة بل هو ما يكون تشويهًا كقطع الأنف والأذن ونحو ذلك فلا يقال لكل جرح أنه مثلة فلا تعارض بين النهى عن المثلة وبين خبر الإشعار، وقال بعضهم: معنى قول الراوي ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشعر بدنته)) أعلمها بعلامة ويمكن أن يكون ذلك سوى الجرح لأن الإشعار هو الإعلام، كذا ذكره الإمام المحبوبي حكاه في البناية عن الإسبيجابي، وهذا الجواب يغني حكايته عن رده، كيف وقد ورد في بعض الروايات أنه طعن، وهو صريح في الجرح، وقال بعضهم: حديث الإشعار منسوخ بأحاديث النهى عن المثلة، وقد تقدم الجواب عن هذا في كلام الحافظ وغيره، وقال بعضهم: الذي اشتهر عن أبي حنيفة من منع الإشعار فهو منع لما ارتكبه أهل زمانه من المبالغة فيه لا أصل الإشعار، أو هو ردع للعوام مطلقًا إبقاء على الهدايا وخوفًا عما يؤل الأمر إليه من المبالغة فيه والوقوع في المنهي عنه طلبًا لما هو مندوب فقط. وهذا قريب مما قاله الطحاوي. وقال بعضهم: إنما كره أبو حنيفة إيثار الإشعار على التقليد يعنى أن الأولى عنده التقليد واختيار الإشعار عليه مكروه، ولا يخفى ما فيه من التمحل، فإنه مخالف لما اشتهر عن أبي حنيفة من كراهة الإشعار مطلقًا وفيه أيضًا أنه لا يحصل الغرض

<<  <  ج: ص:  >  >>